اقلام حرة

من مذكرات طبيب …

كانت المهمة واضحة،إن كان السيّد اسطفان يشكّل اي خطر على نفسه او على الآخرين حاليا .
هدف التقرير الطبّي معرفة احتمالات الاستفادة من تخفيض للعقوبة في السجن.
-حسناً،انما منذ كم سنة يقبع السيد اسطفان في السجن؟
–منذ34سنة.
-ما هي تهمته؟
–جريمة قتل لثلاثة اشخاص،لا اعرف تفاصيلاً أكثر،قصّته قديمة ومنسية، ملفّه امامك،نعم الملف الضخم عند الزاوية.
كان ابن اخت السجين يقف عند باب امين سرّ المحكمة ،يراقبني بصمت،اقترب واخبرني ان السجين خاله.
-ما هي تفاصيل جريمته يا اسكندر؟
—لا أذكر تفاصيلها،يوم حصول الجريمة كان عمري ستة أشهر إنما الاهل قالوا انّه متهم بقتل ثلاثة أشخاص.
في طريقي إلى السجن، تزاحمت الأسئلةفي رأسي:
هل كانت جريمة بين عشيرتين؟
هل كانت جريمة ذات طابع طائفي ؟
هل هي جريمة في أعقاب اشتباكات بين حزبين؟
هل كانت جريمة نتيجة اختلاف على إرث؟
هل كانت مجزرة لأن طرف ما شتم ربّه فانتقم؟
كنت اقود السيارة وانظر من حين إلى حين آخر على الملف الضخم القابع بقربي في العربة،صارت الإجابة على السؤال ضرورة ثقافية لي كما هي حشرية اجتماعية وطبية .
قررت أن لا اقرأ الملف قبل أن اعاينه كي لا تترك المجزرة أي أثر على قراري في التقرير،المهمة واضحة،معاينة السجين وتحديد مكامن الخطر في شخصيته على نفسه وعلى الآخرين.
كعادة عناصر القوى الأمنية فقد أبدو كل الشدّة في الاطلاع على وثيقة تكليفي بالمهمة،تحفّظ احدهم،طلب اثباتا اني طبيب،تحفّظ آخر ان الوثيقة غير مكتملة قانونيا،طلبوا مني التوجه للضابط فلان ثم إلى المركز الصحّي ثم اشترط أحدهم ان يكون طبيب السجن حاضراً.
السجن مكتظّ بما لا يقلّ عن أربعة آلاف سجين.
هكذا هم عادة.
طلبوه فحضر.
رجل في الخامسة والسبعين من عمره،يمشي ببطء شديد متكئاً على عصا من حديد،ثيابه رثّة،حذاء رياضي عتيق،وجه متعب،يلهث،ما إن عرّفته بنفسي حتى أخبرني انّه يعاني من ألم في فقرات ضهره نتيجة ضمور الغضاريف بينهم وانّه أجرى عمليتي زرع اصطناعية لركبتيه اليمنى واليسرى وأنّه لا ينام من شدة اوجاعه،انّه غير قادر ان يقضي حاجته لوحده،انّه غير قادر على الاستحمام من دون مساعدة و رغم كل ما تقدّم به وشرحَه قال ان المعالجة الفيزيائية تصرّ عليه أن لا يستخدم العصا كي تنشط عضلات ساقيه.

من ضمن الأسئلة العامة سألته عن زوجته فاجاب:
-×-×:رحمها الله ماتت.
سألته إن كان لديه اولاد ،قال:
×-×-:رحمهما الله،ماتا،حنا كان عمره سنة و باسكال كان عمره ثلاث سنوات.
-كيف توفيت زوجتك؟
×-×-:احترقت.
-كيف مات الطفلين؟
×-×-:أيضا يا حكيم قد احترقا.
–رحمهم الله،انّما ماذا حصل لهم؟
×-×-:حكيم،تناولت الفطور مع زوجتي عند الساعة السابعة صباحا،توجهت إلى غرفة نوم طفليّ وقبّلتهما ومضيت إلى عملي عند السابعة صباحا.
-وماذا بعد؟
×-×-: عدت عند آخر العصر ،أول المغرب،وجدت ناساً وقوى أمنية يحيطون ببيتي،تقدّمت وسألت عما يحصل،أخبروني ان حريقاً حصل وان النار أشعلت كل البيت،سألت عن طفليّ وعن زوجتي،حضنتني اختي باكية ثم جرّتني بيدها نحو بيت اهلي القريب من منزلي وهناك كان الاهل بانتظاري،ما إن لمحني ابي حتى صرخ بي باكيا بأنّ كارثة قد حصلت إذ مات ولديّ وماتت زوجتي.
‐رحمهم الله،لا يمكننا أن نقول غير إنّا لله وإنّا اليه راجعون يا اسطفان.
اخبرني اذن و اذا سمحت ما سبب دخولك إلى السجن،ما هي تهمتك هنا؟لماذا انت هنا؟
×-×-:سبب دخولي إلى السجن! تهمتي؟!لقد اتّهموني انا يا حكيم بإشعال النار في البيت وقتل العائلة.
ساد الصمت لدقيقتين ثم بادرت بالسؤال:
-افهم منك انّك لم تفعل،الا يوجد اعتراف؟
×-×-:من افراطهم بتعذيبي،اضطريت ان اعترف،سألني التحرّي مَن انزل برميل المازوت من السطح إلى أمام باب الدار؟أجبته بأن البرميل نزل على الدرج لوحده ،على رجليه ،فغضب واعتبر كلامي تحقيرا للقضاء،عليه هو ان يخبرني كيف وصل البرميل إلى أمام باب الدار لا ان يسألني أنا!
-اسطفان ،تقول انّك لست انت من أشعل النار،مَن برأيك فعلها؟
×-×-:هي يا حكيم،هي من فعلت ذلك،علمت في وقت متأخر ان والدتها كانت تأخذها إلى مستوصف في صور والطبيب هناك كان يصف لها أدوية اعصاب،كانت تحمل كيسا من الادوية يا حكيم،هي أقفلت النوافذ من الداخل و أشعلت النار كي لا يهرب احد..

في طريق العودة باتجاه محكمة صيدا ،ما توقفت عن التفكير بالطفلين وهما يحترقان وعن السبب الوجيه الذي يجعل من أب ان يقتل طفليه وزوجته صباحا وان يعود الى البيت عند المساء وكأنّه لم يفعل شيئاً.
فكّرت بكل الاحتمالات ولم يخطر ببالي غير حجّة واحدة.
واحدة فقط لن يخبرك اياها اسطفان.
ربّما في لحظة غضب وأثناء نوبة عصبية وعند شجار بين الزوجين ونكاية بالزوج،ربّما والله اعلم،ربما قالت له زوجته فيفيان ان الطفلين هما ولديها هي إنّما ليسا ابنيه ،ولديه،طفليه،كيدا ونكاية وربما صدّق وانتقم..انما…يصعب معرفة الحقيقة.

والله اعلم بما حصل وما هي الأسباب الكامنة والمستترة وغير المحكية في هذه الجريمة في سنوات ثمانينيات القرن الماضي.
وحدها المجازر لا يعلم تفاصيلها احد رغم فظاعة الجريمة.

د احمد عياش.

المقال يعبر عن رأي الكاتب و ليس رأي الموقع

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى