
“يضربني ويلعنني جهراً، أضربه وألعنه في خيالي، لولا الخيال لانفجرت.”
بهذه العبارة القاسية، يختزل محمد شكري الكاتب الجزائري في “الخبز الحافي” عالماً من القهر، حيث العنف والحرمان ليسا مجرد أفعال، بل منظومة تُنتج أجيالاً مكسورة، غير قادرة على كسر قيودها. لكنه، وسط هذا العنف، يُدرك أن التحرر يبدأ من الداخل، من وعي الفرد بواقعه، ومن انتصاره على الجهل الذي يُفرض عليه كما يُفرض عليه الاحتلال.
في تاريخنا الحديث، لطالما وقف الجهل سداً منيعاً أمام كل محاولة تحرر حقيقية. استعمار الأرض سهل، لكنه لا ينجح إلا حين يسبقه استعمار العقول. ما فائدة تحرير الجغرافيا إن بقيت العقول مستعبدة؟ كيف نقاوم المحتل ونحن لا نملك أدوات مقاومة الجهل والتخلف؟
إن مشروع الهيمنة لم يكن يوماً مجرد احتلال عسكري، بل كان دائماً عملية مدروسة لتجريد الشعوب من الوعي، لحرمانها من أدوات التفكير، لإبقائها في دوامة الجهل حيث لا ترى أبعد من حاجاتها اليومية. لهذا، كان التعليم، منذ زمن الاستعمار المباشر، هو أول ما يُحارب. الشعوب الجاهلة تُحكم بسهولة، والشعوب الواعية تُرعب المستعمر حتى قبل أن تحمل السلاح.
في الخبز الحافي، وفي كل أدب كشف المستور، نجد أن الفقر لم يكن فقط فقراً مادياً، بل كان أيضاً فقراً فكرياً مفروضاً، متعمداً، وموجهاً لخدمة قوى السيطرة. لهذا، فإن صرخة محمد شكري للمعرفة ليست ترفاً، بل هي مقاومة حقيقية، لأنها تُواجه الاستعمار الأخطر: الاستعمار الذي يسكن العقول.
اليوم، ونحن محاصرون بأشكال استعمار جديدة، من سيطرة اقتصادية إلى احتلال ثقافي، من أنظمة قمعية إلى إعلام موجّه، يبقى الجهل عدونا الأول. لا يمكننا أن نحلم باستقلال حقيقي ونحن ما زلنا أسرى الأوهام والخرافات والخطابات الجاهزة التي تُسلبنا قدرتنا على التفكير الحر.
ما لم ندرك أن معركتنا تبدأ من تحرير العقول، فإننا سنبقى ندور في فلك الهيمنة، نحارب أشكالاً متجددة من الاستعمار، لكننا لا نكسر الحلقة التي تُعيد إنتاجه. وكما قال شكري، “لولا الخيال لانفجرت”، ولكن وحدها المعرفة تُحول الخيال إلى واقع، وتجعل الانفجار ثورة لا انتحاراً.
بقلم خلود الوتار قاسم
المقال يعبر عن رأي الكاتب وليس رأي الموقع، شكرا على المتابعة.







