اقلام حرة

فلسطين لا وجود لها في الاسلام؟ فليكن….

يقول الباحث المصري في تاريخ الاديان الدكتور يوسف زيدان ان القدس لم يأتِ ذكرها في القرآن الكريم، وأن الاحاديث التي ذكرت القدس بصفتها “المقدسة” قد تمت صياغتها “لأسباب سياسية” في عهد الامويين بعد نزول القرآن بعشرات السنين.
يقول أيضاً، مدعماً بالوثائق، أن الوثيقة العمرية (التي عاهد بها المسلمون المسيحيين عند دخولهم الى مدينة القدس الحالية) اشارت الى القدس بتسميتها “مدينة إيلياء”، ولم يعرف المسلمون تسمية القدس الا بعد ذلك بوقتٍ طويل، وهي ترجمةٌ حرفية للوصف اليهودي لمدينة اورشليم “بيت ها مقداش” اي بيت المقدس.
ويقول ان المسجد الاقصى الذي اتى ذكره في القرآن الكريم لم يكن اصلا موجوداً في ايلياء (القدس) بل في منطقةٍ تقع بين مدينتي مكة والطائف. ولذلك فإن ما نعتبره المسجد الاقصى اليوم هو اختراعٌ لا علاقة له بأصل الديانة الاسلامية.
يوسف زيدان باحثٌ محترم، لا شك في ذلك، ويعتمد منهجيةً علمية في بحوثه كما في طرح نتائج تلك البحوث على العامة.
وقد رد عليه الكثير من الباحثين بوثائق اخرى، تؤكد على ان القدس الحالية هي مدينة المسجد الاقصى قبلة المسلمين الاولى.
لكن الأخطر من كل ذلك هو ان يوسف زيدان ينهي بحوثه بالنتيجة التالية:
القدس لم تكن مقدسة عند المسلمين ولا يجب ان تكون، ومن ارادوها كذلك فقد كان لديهم أسبابٌ سياسيةٌ في الماضي، وفي التاريخ الحديث اضفى عليها البعض الآخر قداسةً لأسبابٍ سياسية وتوسعيةٍ ايضاً.
إنهم يكذبون عليكم ايها المسلمون. فالقدس ليست “لنا” ولا تعنينا بشيئ.
ان يوسف زيدان بطرحه هذا، وفي تلك الفترة الخطيرة من تاريخ منطقتنا، يقطفُ ثمار “أسلمةِ قضية فلسطين” التي تم زرعها في نفوس العرب على مدى عشرات السنين بعد احتلالها على ايدي الصهاينة.
قضية فلسطين لم تكن يوماً إسلامية. إنها قضية شعبٍ طُردَ من أرضه كأي شعب مظلوم في العالم. ليس الاول ولن يكون الاخير. ولم يتم اغتصاب فلسطين لأنها كانت “مسلمة” بل لأن هناك جماعةً تعتقد بخرافاتٍ أعطتها الحق بتلك الارض وكانت ستطرِد اي شعب منها حتى ولو كان بوذياً.
إن يوسف زيدان بنسفه القداسة الاسلامية عن فلسطين، فإنه يعطي الحجّة لملايين العرب، الذين يقاربون كل المسائل الكبرى من منظورٍ دينيّ بحت، بالتخلي عن قضية فلسطين، لأنها ببساطة…ليست قضيةً اسلامية.
وهو يعطي ايضاً الحجة لمن يريد طمس القضية ويعقد الاتفاقات مع اسرائيل، بأن المسلمين واليهود “أحباب لا يجب ان تكون بينهم عداوةٌ اصلاً” وان الخلاف لا اساس له من الأصل.
إن “أسلَمة” قضية فلسطين كانت أخطر ما حدث لها منذ نشأتها، وربما كان ذلك مقصوداً لكي يأتي اليوم الذي يتم فيه انهاء القضية على اساس انتفاء السبب الأساسي لتلك القضية: اكتشاف ان فلسطين لا تعني الاسلام بشيئ.
لكن من تعامل مع فلسطين منذ البداية بوصفها قضية شعب فقد أرضه ظلماً، لن يضيره اليوم بأن يكتشف إن كانت فلسطين اسلامية، مسيحيةً، او حتى هندوسية… ولن يغيّر من مقاربته لموضوع التعامل مع اسرائيل.
فاسرائيل كيانٌ مصطنع، مغتصِب، وليس له مكان في هذه البقعة من العالم.

رامي اسوم ٢٠٢٠/٠٩/١٨

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى