مقالات

يوم وقفت في حضرة الاله…

 

د. احمد عياش 

بعد تردد طويل كان القرار حاسما،امتطيت بغلاً ومضيت مهاجرا في الزمن الى معابد بلاد ما بين النهرين.

انتظرت طويلا قبل ان يسمح لي الكهنة الدخول في معبد زقورة المحاط بأهوار الفرات في مدينة إريدو.

-وماذا تريد ؟

–اريد ان التقيه.

-مَن تظنّ نفسك ايها العبد الضعيف؟لا وقت عنده للضحايا.

–إلا انّي اريد ان ألتقيه.

ضاج الكهنة واحتدّ بينهم النقاش بين من يريد صلبي وبين من يريد حرقي وبين يريد رجمي واندفع الحرس الالهي صوبي و قيّدوني وما هي الا دقائق وكان كبير الكهنة امامي يسألني عن طلبي الأخير قبل الاعدام.

–اريد ان ألتقيه.

تغيرت ملامح وجه كبير الكهنة وغضب وصاح:

–آه،انت الكافر اذن،التعاليم تقول بضرورة تنفيذ الطلب الأخير للمحكوم بالموت.

اذن ستلتقيه.

ادخلوني اليه شدّاً بشعري،وجهي نحو الارض،عاري الصدر،مقيد اليدين خلف ضهري ،حافي القدمين ،محروق الفم و اللسان من العطش بعد ان امروا بمصادرة بغلي.

“الا بغلي يا قوم” ،صحت بهم وانا محطم الانف والدم يسيل من يداي.

*اتركوه،دعوه يرفع رأسه،من انت وماذا تريد وكيف وصلت الى هنا،هنا عرشنا السرّي.؟

–اتيتكم سيدي لأناقشكم.

 

ومن حيث لا احتسب تلقيت صفعة على مؤخرة رأسي وسمعت تهديدا شديد اللهجة بحرقي من قائد الحرس ومن كبير الكهنة.

*لا احد يناقش الاله أبسو،نحن لا نناقش مخلوقاتنا،نحن نقول كُن فيكون.

–الا اني اريد التحدث اليكم.

*ماذا عندك ايها المخلوق الضعيف.؟

–اتيت لأحتج،رضينا بكل التعاليم وبكل الطقوس ولا نرفض صوما ولا نتمرّد على صلاة ،راضون بعيشنا،بما قسّمتموه من رزق بيننا،لا شكوى من الطوفان ولا من الزلازل ولا من حكّام ظالمين يستغلون اسمكم والاديان في حروب وفي نهب شعوب،راضون بأقدراكم يا سيدي.

*اين السؤال اذن؟

–لم تعجبنا نهاية اللعبة بالموت،الا يمكن ان نتفاوض حول نهاية اللعبة،الا يوجد بديلا عن الموت،الا يمكن قهرنا بغيره،هل نستطيع الكلام معكم حول النهايات.

*انما ارحمكم بالموت.

–انما تمدّ بأعمار الاوغاد وتستردّ ارواح الابرياء في ريعان شبابهم،يترك غيابهم لوعة في قلوبنا،اليس لديكم نهاية غير الموت يا سيدي؟

* الخلود لي ايها السائل،الا تعرف هذا ام انك تكفر بحكمة المياه العميقة؟

–لا يكفر مثلي امامكم يا سيدي؟ فقط اناقش لعل تعديلا ما يغيّر من قوانين النهايات،رفضنا للموت لا يعني أننا نتمنى الخلود.

هنا دخلت تعامة وجلست ولم تنطق بحرف.

*بل حاولتم،بنيتم الاهرامات و بحثتم عن اكسير الحياة وبنيتم حتى معابد و وضعتم اسماؤكم على لوحة فوق الباب وتكاثرتم عبر اطفالكم بتكرار اسمائكم لعلكم تخلدون انفسكم و تحاولون تطوير الطب لعلكم تنقذون انفسكم من الموت ،كل هذا لأنكم تبغون الخلود لتصبحوا الهة.

— او لنعود آلهة يا سيدي،كل ما نطلبه استبدال الموت بفكرة اخرى لا تحرمنا احبابنا فلوعة الغياب قاسية يا سيدي.

*الموت قهر وحق ومحسوم ،اطلب شيئا آخرا؟

–إن كان ولا بدّ يا سيدي هل بالامكان الموت بلا ألم ؟ليكن التعديل بالنهايات ان يكون الموت بلا الم

* بلا ألم! عندها ستفضلون جميعا الموت ،الألم لصالحكم ،الالم ضرورة لتبقوا احياء ،لا،انهما توأمان بل الحدث نفسه،انتهت المقابلة،اعدموه فمثله يجب ان لا يتكاثر،انه اخطرهم،إنّه يفكر…

 

وانا اشتعل بالنار كنت ما ازال افكر وافكر ،هل حقا لا يوجد.نهايات للعبة الحياة غير الموت،حتى شرط حذف الالم غير مقبول،! اكان الالم لصالحنا ونحن لا ندري ،احترقت ومت حيّاً وانا ما زلت افكر…

تباً للعقل…

لا تفكر تنجو!

#د_احمدعياش

الاله ابسو:المياه العميقة.

حينما في الاعالي لم يكن هناك ماء وفي الاسفل لم يكن هناك ارض ولم يكن من الآلهة سوى ابوهم أبسو وممو و تعامة التي حملت بهم جميعا.

لمن لا يعلم فقد ولد الانسان من دم الاله الشرير “كينغو” وفق الاسطورة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى