اقلام حرة

“أميركا والجمل بما أكل”!

كتب أكرم بزي
إحدى أجمل أوقاتي (في عمرالـ 6 سنوات) كانت عندما أستيقظ صباحاً كي أشاهد أو أشارك جدتي أم معروف رحمها الله، يوم الجمعة في الصباح الباكر في “عجن ورق”، “الخبز المرقوق” كما يسمى في جبل عامل والجنوب اللبناني، وكانت عملية صنع الخبز المرقوق تبدأ أولاً بتحضير الحطب مما تيسر من أوراق وأعشاب يابسة وأخشاب ما تبقى من الأشجار أو ما هو مرمي في الحقول المحيطة في بلدة قانا الجليل الجنوبية، ومن ثم تحضير الطحين قبل ليلة وعجنه ثم وضعه في “لكن” (وعاء حديدي) وتغطيه كي يصبح جاهزاً، وتبدأ عملية إشعال الحطب وتحمية الصاج وبعدها خبز ما تيسر من عجين، (6 عدات او 12 عدة) والعدة كانت عبارة عن 24 رغيف أحياناً بحسب ما يصطلح عليه في كل قرية، (أقل أو أكثر)، وكانت هذه الوجبة تكفي لأسبوعاً كاملاً.
كنت أجلس بالقرب من جدتي وكانت وظيفتي “ناولها الحطب” كي “تلزه” أو تدخله تحت الصاج وهي وخالتي (رحمها الله) كانتا تقومان برق العجين وتلويحه على “الطاره” ثم “لطعه” على الصاج، كي يصبح “أحمر مأمر”، وبعدها تضعه على “طبلية” عريضة، وهكذا حتى تنتهي العجنة بأكملها، كنت استمتع بهذا العمل بانتظار دور “البَقعة”، والبَقعة هي عبارة عن رغيف خبز “اسمك” من المرقوق، يوضع عليه القليل من الزبدة والجبن والسكر، أو أحياناً الزعتر، وطعمه كان لذيذ جداً.
المهم، في احدى المرات وبعدما انتهت جدتي من هذا العمل الشاق والذي يبدأ التحضير له قبل 3 أو 4 أيام، وبعدما انتهت من وجبة الخبز ووضعته على “الطبلية”، صدف مرور جمّال وخلفه ثلاثة أو أربعة جمال، استل أحد الجمال رقبته و”بكدشة” واحدة وضع الخبز كله في فمه وبدأ المضغ، هربت من هذا المنظر شعرت أنه سيأكلني، وبدأت جدتي بالصراخ على الجمّال، الذي وضع يديه على خصرتيه وقال لها بلهجة جنوبية ” شو بعمل الجمل جوعان”، وهكذا انتهت رحلة الخبز الشاقة في هذا الأسبوع المشؤوم بالنسبة لجدتي.
السياسيون، يضعون أياديهم في جيوبهم، ويقولون لكم ماذا نفعل، “الجمل جوعان”، تعبكم وشقاءكم وأعماركم، لا معنى لها بالنسبة إليهم، جنى العمر، العلم، الشهادات، البناء والعمار، السيارات والبيوت والفيلات والقصورالتي أفنيتم أعماركم لبناءها وجمعها و… و… كلها لا معنى لها بالنسبة إليهم إلا إذا كانت ستصبح من نصيبهم، وتضاف إلى ثرواتهم، وثروات أبنائهم، (مش حرام ولادهم ما يكون ما عندن ثروة، ولو لشو علمنالكم ياهون).
لا كهرباء من إيران، ولا من الأردن، ولا غاز من مصر، ولا أدوية سرطان وغيرها من الأدوية المزمنة، ولا حتى بعض المواد الغذائية، بالنسبة لهم كل شي مؤمن، المهم أن لا يعارضوا أميركا، فستضع عقوبات عليهم وعلى أفراد أسرهم فيما لو عارضوها، لا بل قد يقومون بحرب أهلية ثانية فيما لو كانت جيوبهم أو أرصدتهم ستجمد أو ينقص منها شيئاً.
لا رئيس جمهورية، ولا رئيس حكومة… والإدارات الرسمية تقفل الواحدة تلو الأخرى، والمصارف، تغلق أبوابها الواحد تلو الآخر، إلا ما هو مطلوب منه أمراً ما، لتيسير أمر بعض الموظفين والمتآمرين مع السفارات الأجنبية، ولا بأس بتمرير بعض الأموال لقوى الامن الداخلي والجيش اللبناني وبعض العسكر الذين لا حول لهم ولا قوة، بانتظار أمر اليوم.
أيها اللبنانيون، المطلوب منكم، مسائل بسيطة جداً:
– دمج النازحيين السوريين في مجتمعكم.
– توطين اللاجئين الفلسطينيين في دياركم.
– ممنوع عليكم المقاومة أو مواجهة من يعتدي عليكم. وممنوع أصلا أن يكون لديكم مقاومة مسلحة.
– ممنوع أن يسلح الجيش اللبناني بأكثر من بواريد الصيد، وتوربينات صيد السمك.
– “إسرائيل” جارتكم فعليكم التطبيع معها ومشاركتها أفراحها وأحزانها.
– سوريا ليست شقيقة بل عدوة ويجب إلغاء كل الإتفاقيات التي تضمن حسن الجوار معها وإقفال الحدود إلا لتمرير الجماعات الإرهابية ذهاباً وإياباً وبحسب ما تقتضي الحاجة.
– أولادكم ليسوا لكم، فنحن مستعدين لإرسالهم لأفضل جامعاتنا في الولايات المتحدة وتعليمهم، على أسس الحضارة الحديثة و”المثلية الجنسية”، لا تحملوا همهم، فنحن نحمل همومكم.
– الـ “أنجيؤوز” يجب أن تتوسع أكثر فاكثر لتقوم مقام الدولة والبلديات.
– ثرواتكم البحرية، نحن نستخرجها ونبيعها وننفق عليكم.
– الـ “يو أس أيد”، ستقوم بدعمكم ونحن سنقوم برعايتكم من خلالها.
– السفارة “القاعدة” التي نبنيها في عوكر هي لرعايتكم وإدارة أعمالكم. لا تتعبوا أنفسكم.
– وأي طلب تحتاجونه نحن حاضرون فأدواتنا من اللبنانيين جاهزين لتلبية رغباتكم.
– ذهبكم وودعائكم وأموالكم لا شأن لكم بها فنحن نرعاها ونستثمرها ونحميها لكم.
– والدولار سنرفعه لكم، وقد نوصله لغاية الـ 200000 ألف ليرة، أنتم تستأهلون كل خير…
جيفري فيلتمان، ديفيد ساترفيلد، ديفيد شينكر، دوروثي شيا، وعاموس هوكشتاين وديفيد هيل، أنهم من نخبة الشعب الأميركي من الديموقراطيين والجمهوريين (صدفة كلهم يهود صهاينة) على السواء كانوا بخدمتكم على مر السنوات الماضية ونحن جاهزون لإرسال المزيد منهم.
بالأمس وزير الخارجية الأسبق في عهد الرئيس الأميركي دونالد ترامب هدد اللبنانيين بالمجاعة، واليوم باربرا ليف، مساعدة وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأدنى، التي اتحفتنا بالقول “إن لبنان مفتوح على كل السيناريوهات، بما فيها تفكك كامل للدولة، وإن اللبنانيين سيضطرون على الأرجح إلى تحمل المزيد من الألم ولا يوجد مثيل مثل الضغط الشعبي، وعاجلاً أم آجلاً سينفجر الوضع من جديد، وهذا النوع من الضغط هو الأسوأ، الذي قد يواجهه القادة السياسيين”. وبعد، هل هناك من يتساءل ماذا يُحضر للبنان؟
“قيل بالماضي” الجمل بما حمل، ولكن عند جدتي “الجمل بما أكل”، أما أميركا فينطبق عليها “الجمل بما حمل وأكل”. احذروا الفتن…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى