
عندما كان،
كانت احلامنا بسيطة وتائهة وقصيرة وسع جيب بنطال ابي ، احيانا تقصر واحيانا تتوسع واحياناً تتمزق واحيانا تفرغ بفعل سحر تحوّلات المال الى غذاء والى كتب والى اقلام والى ادوية و الى آجار منزل والى ثياب …
والى حذاء.
عندما كان،
كانت احلامنا بريئة، متواضعة بخيالها، صادقة في أهدافها، عرضةً للصدمات وللنكبات وللويلات في حرب اهلية توزع الموت والمصائب بالتساوي على البيوت وعلى الناس .
عندما كان،
كنّا،
كنّا كوارثا تصيب جيب بنطال أبي،نغزوها بإحترام،نعبث بمساحاتها ما يكفي لنلعب فيها كرة القدم.
كانت امّي تضطر الى ترميم الجيب بابرة وخيط لتخفي آثار اصابعنا .
كان إختيار لون الخيط يعتمد على مزاجها ، إن كانت راضية عن الايام اختارت للخيط لون الجيب نفسه ولو اضطرّت للبحث في ادراج كل الدار وفي كل محلات الشارع أمّا لو كانت غير راضية فإنّها تتناول اوّل خيط قربها على مكنةالخياطة دون احترام للألوان.
كانت لا تتعب.
كانت أحلامنا عند المساء حول كاسة رز بحليب تتمدد وسع فضاء ثقافة ابي الموسوعية عند حديثه عن الادب وعن الشعر وعن التاريخ وعن الاحداث السياسية وعن الابطال وعن الأنبياء لتضيق فجأة بأسئلة عفوية لنا لا تحترم امكانيات استاذ ثانوي محكوم براتب محدود .
كنّا نحرج ابي بأحلامنا.
كان راتب الاستاذ الثانوي يكفي عائلة مثل عائلتنا لتعيش بتواضع وبكرامة .
كانت أحلامنا تتأثر بعدد الكتب المرصوفة بإتقان وباحتراف على رفوف متهالكة في خزائن خشبية جعلت من ابي لا يقتنع ان معظم الموظفين من حوله في ادارات الدولة وفي قيادة الاحزاب مرتشين ومنافقين ومخابراتيين يبيعون الوهم كشعارات رنّانة تؤدي الى خراب بيوت والى موت ناس بل كان مصرّاً ان في البلاد سموأل في الادارة و حسين في السياسة والعسكر و متنبّي يتنزه قرب منارة بيروت البحرية عند الصباح.
كان وكنّا،
كانت احلامنا تتبدل من كتاب و من رسم و من طابة عجيبة غير كروية الى احذية متعدّدة المهمات، من عيد ومن مدرسة و من ملعب الى تقاذف و الى ركل والى عراك بين الاولاد.
لا لشيء.
لمجرّد ان احلامنا متناقضة.
لمجرّد انّ لكل من الاولاد اب مختلف.
كانت احلامنا معادلة رياضية تمتدّ من رقم الصفر الى لانهائية الأعداد الى ان اخذت رقمها النهائي وفق حسابات امتدادات مساحات قبر أبي .
ما عاد هنا،
امتدادات احلامنا صارت وسع مساحة قبر ابي المتواضع و قدر ارتفاعه البسيط عن الارض.
لا نريد اكثر.
كفاف يومنا يكفينا.
لا تقل كانت احلامنا بل قل هذا ما قدرنا عليه وما نحن بمقرّرين.
للاقدار قرارها و رأيها وحكمها.
اليوم نفتقد حتى احلامنا، نتذكرها،نشتاق اليها من فرط واقعيتنا و من فرط ماديتنا ومصالحنا .
نريد ان نحلم فنفشل لأننا ما عدنا نصحو ولا عدنا ننام.
مذ مات أبي و وقفنا نتقبل العزاء صرنا رجالا مثله فجأة.
مذ ماتت امّي هَرمنا و مَرضنا وتشرّدنا بسرعة.
بإختفاء الوالدين اصبحت احلامنا مطابقة تماما لواقعنا اليومي.
صرنا شرفاء تافهين.
أموات احياء، احياء اموات.
صارت مهمتنا ان ننجو بسلام من الحياة بلا إثم بلا خطيئة بلا جريمة كي لا يحزن ابي وكي لا تصاب أمي بالخيبة.
يا ليتنا بقينا صغارا قرب والدينا ،نحلم ونغني ونستبيح جيب بنطال أبي.
وابي يبتسم.
كان وكانت وكنّا.
وما زلنا.
الا اننا لن نبقى هنا.
#د_احمد_عياش.






