
لم يتبقى أحد من العالم الغربي والأوروبي تحديداً إلا وهبّ للدفاع عن “الوديعة الإلهية”، (وديعة هاري ترومان) في الشرق الأوسط، ولما لا يأتي الى “فلسطين المحتلة” للدفاع عن هذه “الوديعة” رئيس أعظم دولة في العالم جو بايدن ورئيس “بلد الحريات” وبرج إيفل إيمانويل ماكرون، ورئيس وزراء دولة “بريطانيا العظمى” ريشي سوناك (أو ليس آرثر بلفور هو من أعطى اليهود حق المواطنية في فلسطين المحتلة؟ وهو الذي: “أغدق على اليهود وعداً بالعودة إلى أرض الميعاد، وأنّ هذه العودة هي شرط مسبق للعودة الثانية للمسيح، وأنّ هذه العودة الثانية تحمل معها خلاص الإنسانية من الشرور والمحن ليعمّ السلام والرخاء مدّة ألف عام تقوم بعدها القيامة وينتهي كلّ شيء كما بدأ)”. وغيرهم من الرؤساء والوزراء … الخ.
تصريحات الرئيس الأميركي والرئيس إيمانويل ماكرون والمستشار الألماني أولاف شولتس ورئيس الوزراء البريطاني، تبدو وكأننا أمام معركة استعمارية جديد، من خلال ما عبروا عنه من خلال تصريحاتهم المؤيدة بالمطلق “لإسرائيل” ودعمها بأنواع الأسلحة المدمرة المختلفة واطلاق يد “إسرائيل” في تدمير قطاع غزة وارتكاب المجازر دون هوادة، وكأننا أمام “آلهة العصر الحديث”، الذين يريدون لنا أن نلقي لهم بالأضحية من دماء الأبرياء والرضع (نحن بالنسبة لهم كما يقولون باللغة العبرية “غوييم” أي حيوانات).
النقاشات تدور بين المستشارين العسكريين وجنرالات أميركا (فرقة دلتا أقوى فرق الجيش الأميركي) و”إسرائيل” حول وضع الخطط المناسبة لاجتياح غزة، والاجتياح البري يؤجل يوماً بعد يوم وينتهي الأسبوع الثالث على عملية “طوفان الأقصى” وما زالوا ينتظرون! ترى ألم تحارب جيوش أميركا في جبال تورا بورا (الغبار الأسود) شرقي أفغانستان وفي نيكاراغوا وفي فيتنام وفي العراق ومصر وسوريا ولبنان…الخ! أليس لديهم الخبرة الكافية؟ أم أن غزة لها حساباتها الخاصة؟ يريدون لنا أن نصدق بأنه ثمة عقدة ما لا يستطيعون فكها! أم هناك شيئاً ما يدبر خلف كواليس الأروقة السياسية والدبلوماسية والتي يراد منها فرض خرائط جديدة أين منها لبنان لا أعلم؟
وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي قال بالأمس: “هناك مخاطر أن يصل النزاع الدائر في غزة الآن إلى لبنان وإلى الضفة الغربية”. ووزير الخارجية الأميركي انطوني بلينكن قال: ” أي نزاع واسع النطاق سيكون له تداعيات وخيمة على المنطقة وعلى العالم”. والمندوب الروسي في مجلس الأمن فاسيلي نيبنزيا قال: “النزاع في غزة قد يؤدي إلى إبتلاع المنطقة وهناك مخاوف من اتساع نطاقه”. ووسائل الإعلام “الإسرائيلية” روجت انه على “إسرائيل” الاستعداد لأسوأ السيناريوهات، حيث ستضطر إلى القتال على جبهتين في وقت واحد (الشمالية والجنوبية)”.
المؤشرات الخطيرة تتوالى تباعاً، ودائرة النيران تتسع، ومن الجيد أن يبدأ الحراك السياسي في لبنان، ومن الجيد أيضاً ان تبدأ الاتصالات بين السياسيين على اختلاف انتمائتهم وتنوعهم لأخذ التدابير اللازمة فيما لو توسعت الحرب في المنطقة، ولكن من الجيد ايضاً أن يعوا أنه إذا تم اجتياح غزة وتمت هزيمة حركة “حماس”، سيكون الدور القادم على لبنان لأن لبنان بات الخاصرة الأقوى على جانب “إسرائيل” ولأنه ممنوع أن يكون في المنطقة من يقول “لا” لإسرائيل ولأميركا.
والسؤال المفصلي… لماذا لا تتداعى الأقطاب والنخب السياسية في لبنان للإلتقاء (وهذا الحد الادنى) للوصول إلى توافق حول كيفية مواجهة هذه المرحلة القادمة أو ليس الكل يعمل لمصلحة البلد، والكل يبدي استعداده للتضحية بالغالي والنفيس لأجل لبنان وقيامة لبنان؟ البلد ينتظر جحيماً قادم هذا ما يبشر به الدبلوماسيون على اختلاف مشاربهم، والسياسيون عندنا لا هم لهم سوى المناكفات والنكد السياسي.
الحراك السياسي القائم الآن ما زال بحده الأدنى، والآن الفرصة سانحة للبنانيين لتحصين بلدهم وسط هذه العواصف واعادة ترسيم الخرائط من جديد لماذا لا يتم التوافق على اسم سياسي مخضرم لرئاسة الجمهورية، فالمرحلة تتطلب رئيساً قوياً يستطيع مواجهة مخططات التوطين الفلسطيني وعدد من النازحين السوريين ويستطيع القول “لا” باللحظة المناسبة ويقاوم المشاريع المرسومة للبنان، فمشروع جاريد كوشنير صهر الرئيس ترامب ما زال مطروحاً (توطين الفلسطينيين مقابل رشوة مالية بمليارات الدولارات) أو تنفيذ مشروع “مسغاف للأمن القومي والاستراتيجية الصهيونية” الذي أعلن عنه في تاريخ 17/10/2023، والذي تدعو فيه إلى “إعادة التوطين والتوطين النهائي لجميع سكان غزة”، ويدعو إلى استغلال اللحظة المناسبة الحالية لتحقيق هدف صهيوني طويل الأمد يتمثل في إبعاد الفلسطينيين عن أرض فلسطين التاريخية. ويوضح العنوان الفرعي للتقرير: “هناك في الوقت الحالي فرصة فريدة ونادرة لاخلاء قطاع غزة بأكمله بالتنسيق مع الحكومة المصرية وحكومات عربية أخرى”.
وأبرز ما جاء في تقرير “معهد مسغاف” على الشكل التالي:
1- هناك حاجة إلى خطة فورية وقابلة للتطبيق لإعادة التوطين وإعادة التأهيل الاقتصادي لجميع السكان العرب في قطاع غزة، والتي تتوافق بشكل جيد مع المصالح الجيوسياسية لإسرائيل ومصر والولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية.
2- في عام 2017، أفادت التقارير أن هناك 10 ملايين وحدة سكنية متاحة في مصر، نصفها مبني والنصف الآخر قيد الإنشاء. على سبيل المثال، يوجد في اثنتين من أكبر المدن التابعة للقاهرة، “6 أكتوبر” و”10 رمضان”، عدد هائل من الشقق المبنية والفارغة الخاضعة لملكية حكومية وخاصة، فضلاً عن قطع الأراضي الفارغة المخصصة للبناء التي تكفي في المجمل للسكن وهي من حوالي 6 ملايين نسمة.
3- يبلغ متوسط تكلفة شقة مكونة من ثلاث غرف بمساحة 95 مترًا مربعًا لأسرة متوسطة في غزة مكونة من 5.14 فردًا في إحدى المدينتين المذكورتين 19,000 دولار. وبحساب إجمالي عدد السكان الذين يقيمون في قطاع غزة، والذي يتراوح بين 1.4-2.2 مليون نسمة، يمكن التقدير أن المبلغ المطلوب تحويله إلى مصر من أجل التمويل سيكون حوالي 5 إلى 8 مليارات دولار.
4- إن ضخ دفعة مشجعة للاقتصاد المصري بهذا الحجم من شأنه أن يوفر ميزة هائلة وفورية لنظام السيسي. وهذه المبالغ المالية ضئيلة مقارنة بالاقتصاد الإسرائيلي. إن استثمار بضع مليارات من الدولارات (حتى لو كانت 20 أو 30 مليار دولار) من أجل حل هذه القضية الصعبة هو حل مبتكر ورخيص وقابل للتطبيق.
5- لا شك أن تنفيذ هذه الخطة يتطلب توافر العديد من الشروط بالتوازي. في الوقت الحالي، هذه الظروف قائمة، ومن غير الواضح متى ستنشأ مثل هذه الفرصة مرة أخرى، هذا إن ظهرت على الإطلاق.
ويبدو أن خطة التطهير العرقي هذه ترتكز على منطق مماثل لمنطق «اتفاقيات إبراهيم»، التي تنطوي على ضخ مبالغ ضخمة إلى الأنظمة الاستبدادية من أجل شطب القضية الفلسطينية. لكن هذه المرة، لا يتعلق الأمر فقط بالضم البطيء والبانتوستانات من خلال “السلام الاقتصادي” – بل بالدعوة إلى النقل الكامل للسكان الفلسطينيين من غزة”.
الكل يعلم أن “إسرائيل” فوق قوانين المجتمع الدولي وتضرب بها عرض الحائط فلا يظنن أحد أن لبنان بمنأى عن التغوّل الصهيوني الذي نراه في قطاع غزة، إذا لم يكن لبنان محصناً لمواجهة هذه المرحلة فلن نرى أحد يقف جنبنا لا سمح الله ولا يبقى لنا الا دعوات الصالحين.
حصيلة الإبادة الجماعية والتطهير العرقي التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني لغاية كتابة هذه السطور، أكثر من 10300 شهيد وشهيدة بينهم حوالي 4000 طفل، وتدمير ممنهج لأكثر من 40% من مساحة قطاع غزة (المباني والبنية التحتية والحجر والشجر) بنيران الأسلحة الأميركية والصهيونية والبريطانية والألمانية والفرنسية ومعظم أسلحة الاتحاد الأوروبي والغربي والتي تؤمن التغطية السياسية والإعلامية لهذا الكيان المؤقت والزائل بإذن الله.






