
من منطلق إسلامي، تعلمنا أن احترام الأديان سمة ملاصقة لديننا الحنيف، وتعلمنا أن الإيمان بكتب الله السماوية هو إيمان مفروض علينا لا فضل لنا فيه ولا منّة، وعملاً بقوله تبارك وتعالى: (يا أيها الناس إنا خلقناكم نت ذكرٍو أنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا).
هذا الأمر قديم قدم التاريخ وقد تكون بدايته منذ عهد النبّوة، وإلى يومنا هذا، وتترجم ذلك من خلال الفتوحات الإسلامية التي وصلت إلى أبعد ما يمكن عن البلاد الإسلامية ومركز الدعوة فيها، ونحن مؤمنون بذلك قناعة راسخة وإيمان خالص بتعاليم الله تبارك وتعالى وكتابه العزيز، ونجل ونحترم كل المكونات على مختلف عقائدها، وحتى ولو كان هناك اختلافات كثيرة، فلن نكون ملكيين أكثر من الملك.
من المقدمة أعلاه، وددت توضيح موقف الإسلام بشكل مبسط من الأديان الأخرى والتأكيد على هذا الموقف، منعاً لأي صيد في الماء العكر، وارتأيت من هذه المقدمة أن تكون تمهيداً أبين فيه طبيعة زيارة بابا الفاتيكان فرنسيس، أسقف روما ورأس الكنيسة الكاثوليكية، فهي بحسب المعلن عنها أنها زيارة نشر السلام في العراق، العراق الذي لم يعرف سلاماً منذ العام 2003، أستطيع أن أسميه “السلام المفقود”، هل سيستطيع أسقف روما نشر السلام في العراق؟ خاصة وأنه الأب الروحي لزعامات الدول الغربية التي دمرت العراق وهي سبب انهياره أمنياً واقتصادياً، وهي سبب تهجير مسيحيي العراق بشكل ممنهج، هذا بالإضافة إلى المكونات الأخرى خاصة من الآيزيديين، وهنا لا ننكر دور الفاتيكان في إرساء السلام ونشر المحبة في دولٍ كثيرة، لكن إذا كان بنية خالصة لا بأجندات سياسية تتعلق بمنطقة المشرق على وجه الخصوص.
اللافت هنا، أن الفاتيكان بعد أن كان القوة الأولى عالمياً من حيث التأثير، تراجع دوره مع صعود الولايات المتحدة وتحكمها بالمشهد العالمي، حيث بدت الكنيسة الإنجيلية المتطرّفة التي هيمنت على صناع القرار في واشنطن كمن يخوض حرباً ضد الكاثوليك، سياسياً وعقائدياً، وبالتالي، همّش الفاتيكان ومعه همّشت أوروبا، ليكون الدور البابوي قد انحسر بشكل كبير، كقوة دافعة لنشر السلام في العالم إلى أن يبقى دوره محصور في دور محدود وغالباً ما يكون موجه، إن أردنا توظيف الزيارة من الناحية السياسية.
الزيارة بحد ذاتها هي زيارة عادية يقوم بها الجميع تحت كل المسميات دينية كانت أم غيرها، لكن ما لفتني هو الاهتمام العربي الكبير لهذه الزيارة وحملة التنظيف الواسعة، واللافتات والصورة والتهليلات والتبريكات، يعيدني هذا المشهد لمن صعد على الدبابات الأمريكية مهللاً بقوط نظام البعث وترحيبه نظام دمره ودمر بلاده، النقطة الجامعة في ذلك هو حجم النفاق الشعبي والرسمي، سنتابع وننظر إن كان سينعم العراق بالأمن والأمان وتتغير أحواله التي طالبنا بها كمسلمين قبل زيارة أسقف روما بعقود.
مسقط نبي الله سيدنا إبراهيم عليه السلام
من المعروف للجميع أن الأرض العربية والتي هي مهد الحضارات والديانات السماوية كانت جميع الأديان تتشارك الأرض الواحدة، وقلما دولة لا يوجد فيها إلى جانب المسلمين، اديان أخرى بصرف النظر عن تشعبات كل دين ومذاهبه، وإلى فترة طويلة كانوا يعيشون جنباً إلى جنب كالعائلة الواحدة، وأشدد هنا على الديانات الثلاث، (الإسلام والمسيحية واليهودية).
فكلما أعلن عن زيارة بابوية إلى منطقة المشرق، تكون مدينة أور أو ما تعرف اليوم بمدينة الناصرية في العراق، حاضرة على جدول الزيارة الباباوية، هذه المدينة التي لها رمزية خاصة حيث أنها مسقط رأس سيدنا إبراهيم، لكن المراد من هذه الزيارة أن تكون تلك المدينة مرجعاً دينياً للتعايش بين الأديان، يتشارك فيه الجميع من إسلام ومسيحية ويهودية، وهذا يجيز أن لليهود حق في تلك المدينة، ولكن من اليهود هنا في هذه الحالة؟ هل هم يهود العراق أم يهود الكيان الصهيوني؟ وبدون مراوغة، هذا الحق هو تمهيد لأن يكون حقاً لما تسمى “إسرائيل” وبالتالي، خطير جداً هذا المخطط الذي ومع كل الأسف قلة من هم أدركوه أو تحدثوا عنه، وإن لم تخني الذاكرة، سبق وأن تم التمهيد قبل فترة قريبة عن مسألة التطبيع بيان الكيان الصهيوني والعراق، الأمر الذي رفضته الأخيرة، لكن يبدو أن هناك أيادٍ خفية تعمل على جعله أمر واقع في المستقبل. وهذا من جهة.
من جهةٍ أخرى، انتشر في الآونة الأخيرة الحديث بشكل موسع عن الدين الإبراهيمي الجديد الذي يحمل الصبغة الدينية لكنه مشروع استعماري خطير، وبدون أدنى شك هذا الدين الجديد مرتبط بمنطقة المشرق العربي امتداداً الى تركيا وإيران، هذا الدين يبدو في ظاهره أنه يبحث عن المشتركات والقيم الإنسانية الجميلة لما يسمى بالإبراهيمية وإسقاطها على الواقع السياسي والديني في منطقة المسار الذي سلكه سيدنا إبراهيم عليه السلام في رحلته من العراق وصولاً إلى مكة بما فيها مصر وإيران، وبالتالي ما بعد مشروع الفوضى الخلاقة التي حقق نتائجها إلى حد ما، هذا المشروع هو التالي وهو المخطط الذي سيتم اعتماد العمل عليه على المدى البعيد، يحاول الجمع بين سكان هذه المناطق في دائرة سياسية واحدة وفقاً للقيم والمشتركات الإنسانية التي تجمعهم بسيدنا إبراهيم عليه السلام، ونشراً للتسامح والقيم الإيجابية الروحية، واختيار ما يناسب من مشتركات في الديانات السماوية الثلاث التي تغطي هذه المساحة الجغرافية وهي اليهودية والمسيحية والإسلام، واليهودية هنا لا تعترف بما جاء بعدها من ديانات رغم اعتراف الأديان الأخرى بها.
وهنا لا بد ذكر أمر غاية في الأهمية، وهو أن بداية تقديم المشروع الإبراهيمي ظهر سياسياً عام ١٩٩٠ لحل النزاع العربي – “الاسرائيلي”، وبدأت تتشكل فكرتها في أروقة السياسة الدولية، من خلال عدد من المؤسسات البحثية على رأسها لجنة الإبراهيمية التي قدمت في جامعة هارفرد المرتبطة مع مراكز القرار السياسي في العالم كالخارجية الأمريكية والبنك وصندوق النقد الدولي، إضافة إلى عدد من المؤسسات العالمية كمعهد الحرب والسلام وجامعة فلوريدا وغيرها لتقديم الفكرة بكل تفاصيلها خدمة للمشروع الاستعماري في المنطقة، وتقوم الفكرة على سيادة المشترك الإبراهيمي على المنطقة الجغرافية المُشار إليها أعلاه، من خلال انتقاء كل المشتركات وتوظيفها في كتاب واحد تضفى عليه قدسية خاصة بحيث يتم تجاوز الحدود السياسية وتجاوز النظم السياسية وتكون الأولوية فيه للمعتقد الإبراهيمي الجديد، مع استبعاد كل الجوانب السلبية التي تحض على القتال والعنف وهنا تبدو جمالية الصورة للمشترك الإبراهيمي، ولكن في النهاية لا يعترف أو بالأحرى يتجاوز التشريعات التي وردت في الديانات الثلاث وتثبيت المشترك الإبراهيمي ككتاب وديانة جديدة مقدسة تلغي ما سبق، وتخفي وراءها مشروع استعماري خطير يطبخ على نار هادئة لمحاولة تمريره في المستقبل.
السلام المفقود
نتيجة للنكبات المتلاحقة التي تتعرض لها منطقتنا منذ عقود، لم نعد نصدق أن هناك من يأتينا حاملاً مع السلام، سواء كان شخصية دينية أم سياسية أو أياً كانت، المفارقة أن من دمرنا وقصفنا وشردنا وهجرنا، دائماً ما يكون سفيراً للسلام وأقصد هنا الدول الغربية، إن زيارة المرجعية المسيحية “أسقف روما”، هي زيارة مقدرة ونحترمها خاصة وأنها لأعلى شخصية دينية في الغرب، لكن وسط هذه الظروف ولم يمضِ على استهداف قاعدة عين الأسد الجوية سوى أيام قليلة، إضافة إلى انتشار جائحة “كورونا” بشكل واسع جداً، يجعلنا نتساءل، هل يمكن أن تكون هذه الزيارة صافية النوايا ولا تحمل أية أجندات سياسية
إذا ما ربطنا زيارة الأب فرنسيس الأخيرة إلى لبنان ولقائه البطريرك بشارة الراعي، ما هي إلا أيام حتى خرج الأخير مطالباً بحياد لبنان ونأيه عما يحدث، ثم حدثت مسألة ترسيم الحدود البحرية مع الكيان الصهيوني، قد أكون مخطئاً، لكن ماذا حملت معها هذه الزيارة، لقد تفجر وضع لبنان من سيء إلى أسوئ، وأصبح الوضع الاقتصادي مسألة وضعت 70 % من شعب لبنان تحت خط الفقر، وهنا نشير إلى تميز لبنان بأن المكون المسيحي يشكل نسبة كبيرة من عدد سكان لبنان.
لن أقتنع إلا عندما يتم تجريم كل من كان سبباً في دمار العراق والدول العربية الأخرى، لن أقتنع إلا عندما تسترد الحقوق إلى أهلها، ما موقف الفاتيكان مما يحدث للشعب الفلسطيني وما يحدث في سوريا، وما موقف الفاتيكان مما يحدث لليمن خاصة “المجاعة”، فأين هو السلام الذي يأمل كثير من المهللين لهذه الزيارة بأن يتحقق؟
أخيراً، إن الزيارة برمزيتها وقدسيتها نحترمها ونقدرها كما أشرت أعلاه، لكن ربطاً عما يحاك للعراق من مخططات تقسيم وعدم حل مشاكل المهجرين والمفقودين من كل المكونات، أقول لكم: كفانا نضحك على أنفسنا، فما من أحدٍ قادر على أن يمدنا بالسلام مادامت أراضينا مستباحة من القوى الأجنبية، وعندما نتوقف عم كل السلبيات وتحميلها لرموزٍ سابقة وأنظمة سابقة، وكأننا بتنا نعيش في دولٍ فاضلة، حينها من الممكن أن يتحقق السلام المنشود الذي أتمناه أنا وأنت وكل شخص في هذه الأرض.
كاتب ومفكر – الكويت.






