
أكثر الحقائق نقاءً نلمسها في الأطفال:
يلعبون معًا بلا حسابات، بلا ذاكرة مثقلة، بلا تمييز.
يقتربون من بعضهم ببساطة تُحرج الكبار الذين نسوا معنى الإنسانية.
لكن يكفي أن يتدخل الأهل، بكلمة أو همسة أو خوف موروث، لينغرس أول انقسام في طفولة بريئة لم تعرف العداوة يومًا.
وهكذا يبدأ الإنسان رحلته في عالم لا يشبهه.
في لبنان، يتكرر المشهد ذاته على مستوى أكبر وأعمق.
فالناس يعيشون في البلد نفسه، يتنفسون الهواء نفسه، ويواجهون الأزمات نفسها، ومع ذلك تنجح السياسة في تحويل هذا القرب إلى خصومة، وهذا التشابه إلى تناقض.
التاريخ المثقل والصراعات القديمة والخطابات المتشنجة تُغذّي انقسامًا يأكل من أعصاب المجتمع كما تأكل النار من ورقٍ يابس.
والواقع اليوم أكثر هشاشة من أي وقت مضى.
البلد محاصر بالأزمات الاقتصادية، ومهدد خارجيًا بعدوان لا يميّز بين منطقة وأخرى ولا يسأل عن هوية الضحية.
القتل اليومي، التهديد المستمر، النزوح الداخلي، صدمة الأطفال، والخوف الذي يسكن كل بيت… كلها عوامل كافية لتوحّد شعبًا كاملًا تحت مظلة واحدة.
لكن الانقسام – الداخلي والسياسي والطائفي – يجعل مواجهة هذا الخطر أصعب، ويحوّل المواطن إلى متفرّج مشتت بدلاً من أن يكون جزءًا من جبهة واحدة تدافع عن الوطن.
الخطر الحقيقي اليوم ليس فقط الصواريخ التي تسقط من السماء، بل الشرخ الذي ينمو على الأرض.
الخطر ليس فقط في العدو الذي يعتدي، بل في مجتمع يسمح للسياسة بأن تزرع فيه الشك والكراهية، في وقت يحتاج فيه أكثر من أي زمن إلى التماسك والتعاضد.
فالعدو لا يحتاج إلى كثير من الجهد عندما يرى داخل البلد صراعًا يمزّق الناس، وروايات متعارضة تكاد تجعل اللبناني عدوًّا لأخيه قبل أن يكون عدوًّا لمعتدٍ خارجي.
إن الأزمة اليوم ليست أمنية ولا اقتصادية فقط، بل أزمة في العقل الجمعي.
أزمة في كيفية النظر إلى الآخر، في كيفية فهم الوطن، في معنى أن تكون لبنانيًا قبل أن تكون تابعًا لهذا الخط أو ذاك.
فلا يمكن لشعب أن يحمي نفسه فيما هو غارق في انقسام يرى فيه كل فريق أنه يمتلك الحقيقة، وكل جماعة أنها وحدها على حق.
ولذلك، فإن إنقاذ لبنان يبدأ من إعادة بناء الإنسان فيه.
من كسر الحواجز التي زرعها الكبار، وإعادة الاعتبار لما يعرفه الأطفال بالفطرة:
أن الآخر ليس خطرًا، وأن الاختلاف ليس تهديدًا، وأن الوطن لا يُصان بانقسام أهله، بل بتكاتفهم.
لبنان اليوم في حاجة إلى عقل جديد، عقل يرفض التحريض ويقلب صفحة الماضي ويُدرك أن الخطر المحيط بنا أكبر من أن نواجهه متفرّقين.
وأن الإنسانية التي تغيب عن السياسة يمكن لها أن تبقى حيّة في الناس إذا قرروا أن يعيدوا اكتشاف بعضهم… كما يفعل الأطفال دائمًا، بلا خوف، وبلا حسابات.
خلود وتار قاسم
المقال يعبر عن رأي الكاتب وليس رأي الموقع، شكرا على المتابعة.







