
هذا الاب الذي لا يستطيع ان يصرخ اخ يا الله
بقلم ناجي امهز
من اصعب مراحل الحياة تلك المسماة المسؤولية التي ترافقنا نحن الشعوب الفقيرة البائسة التعسة في هذا الشرق المظلم الكئيب.
حيث تجد الاب هذا الجندي المجهول الذي عليه ان يقارع شقاء الماضي حيث لم يرث من والده الفقير الا اسمه وتصنيفه انه من فئة العمال الكادحين على نظام الخارطة الاجتماعية، بألم الحاضر المتمثل بما الت اليه الاوضاع المعيشية من صعوبة تؤلم حتى العظم، من اجل بناء مستقبل مزهر مزدهر لأبنائه الذي لا يجد له سبيل الا ان يواجه دون كلل او ملل او حتى ان يتوقف للحظة عن العمل وحتى باسوا اوضاعه الصحية، لأنه يشعر بحال توقف عن العمل، توقفت الدنيا وخسر معركته الابدية من اجل كتابة السعادة على صفحات عائلته ورسم ابتسامة على ثغور اطفاله.
هذا الاب الذي ينهض صباحا مع اشراقة الشمس هاتفا يا الله، من اعماق روحه وعميق ايمانه بان لا معين له غير الله الذي يعينه ان ينجح بتحمل هذا الحمل الثقيل، فان استيقظ قبل اطفاله دخل غرفة نومهم خلسة متأملا وجوههم البريئة بأحلامهم الصغيرة، فيمضي الى محفظته وما فيها من مبالغ قليلة فيوزعها، ومع كل ليرة يتركها لأطفاله يترك ابتسامة لأنه يعلم انهم سيبتسمون ويدعون له بطول العمر، وربما يغادر سيرا على الاقدام الى عمله.
هذا الاب الذي يمضي نهاره بمشقة في حلبات الصراع كالطائر الجريح بين الوحوش الكاسرة والحيوانات المفترسة منافسا على حبة قمح يحاول ان يلتقطها ويحلق بها بعيدا عن صقور هذه الدنيا الجارحة التي لم تعد ترحم الضعيف او تتلطف بالمعوز او تخشى الله بشق تمرة.
فالأب الذي يتحمل بكل صبر وجلد، توبيخ رب عمله او صلافة احد زبائنه، حيث يتكئ رأسه وهو يأخذ حقه ورغم ربحه القليل الا انه يضعه بجيبه بكل تأني وانتباه كي لا يضيع فتضيع معه وجبة العشاء او شراء قطعة ثياب او دفتر وكتاب لأبنائه.
هذا الاب الذي عليه ان يكون محاربا ليدافع عن وطنه ومكافحا ضد الفساد ليحفظ مستقبل اولاده وفيلسوفا عظيما يحاول جاهدا ان يحفظ كل ما مر معه من تجارب بحياته ليقدمها نصائح لاطفاله.
هذا الاب الذي يأتي مساء الى مملكته البسيطة التي لا يصلها النور الا بعد ان تأخذ ثمنها من نور عيناه، ولا الماء حتى يملئ خزانها من عرق جبينه، ولا السلام الا ان يكون قد استنزف كل شبابه، بدائرة لا تنتهي، تلاحق الفقراء صيفا وشتاء حتى خريف العمر.
نعم انه الاب الذي يحمل هموم الدنيا عن عائلته، ويمرض حين يمرض احد عياله ويبكي بصمت ويمسح دموعه خلف معصم يده، ويخفي ضعفه بجوهرية صوته، وكانه اسد يحاول بكل قوته ان يقول انا هنا لا تشخون شيئا او ترتعبون من غدر هذا الزمان طالما الروح تنبض بالعروق قبل ان تستكين.
هذا الاب الذي يعرى ويلبس القديم ليستر اطفاله برقعة قماش جديدة، ويعصره الوجع حتى النخاع بينما هو يتفكر هل يستطيع ان يؤمن تنقل اطفاله تحت المطر وفي حر الصيف، ولا امل له الا ان يخبر اطفاله ويشحنهم بالعزيمة كي يتقدموا الى الامام بدراساتهم وتحصيل علمهم، وهو يعلم كم هي فرص نجاحهم بزمن الواسطة ضئيل.
هذا الاب الذي يجوب كل المحلات متاملا واجهاتها بمناسبات الاعياد، متمنيا لو كان قادرا ان يفرح طفله بلعبة او ملبس جديد، ويتمنا ويتمنا ومع ذلك تقف الظروف امام تحقيق هذه الامنية الصغيرة.
هذا الاب الذي تمضي فيه السنون الى ارذل العمر حيث تصيبه سهام الامراض بفتك سمومها فيشيب الشعر وتفتر القوة وتضعف الحيلة، ويشعر بالندم الكبير عندما يشاهد ابنه او ابنته يحملونه بمرارة الى المشفى او الطبيب، وكانه يسترد منهم ما اعطاهم اياه، ولكن الفرق انه حين قدم وجعه وتعبه كان يقدمهم بابتسامة الى عائلته، وحين ياتي الابناء ليردون الدين تشعره يتمنا الموت على ان يثقلهم بمرضه او يتعبهم بتعبه.
انه الاب الذي لا يستطيع ان يصرخ اخ امام عياله من الوجع، لانه يطمح ان يكون بنظرهم ذلك البطل، الذي يعيش معهم وهو يقاتل لاجلهم ويخاف وان يغادرهم لانه لا يعلم ماذا سيكتب لهم القدر، وفي قلبه الدعاء لهم بان يحفظهم الله وينجحهم وينجيهم من الاعداء وان يحقق احلامهم.
جميعنا لا ندرك عظمة الاب الا حين يصبح لدينا اولاد.







