في ذكرى رحيل المرجع فضل الله: “كونوا ك ذو الفقار”

كتب أكرم بزي
تمر ذكرى رحيل المرجع السيد محمد حسين فضل الله كاستحضار لقيمة الفكر والوعي في زمن التيه، فهو الحاضر في غيابه من خلال مدرسته التي لم تتوقف عن ضخ العقلانية في مفاصل الدين والحياة. لقد كان يرى أن الله خلق الحياة في الإنسان ليخلق هو بدوره معنى لوجوده، فحول دينه إلى رسالة إنسانية عابرة للطوائف والمذاهب، وبنى جسوراً من التفكير النقدي الذي لا يخشى مواجهة السائد إذا ما خالف الحق أو العقل. لقد ظل صوته يصدح بالثورة والحكمة قبل غيابه وبعده، متمسكاً بعمق المعرفة التي تربط التاريخ بالدين والدنيا، وتجعل من الإنسان كائناً منتمياً إلى حضارة السماء بمقدار ما يخدم قيم الأرض. كان فضل الله سابراً لغور قضايا الإنسان، يواجه الملمات بابتسامة الواثق والمطمئن، فإذا سئل حملته أسئلته إلى جواب يمزج بين العقل الصافي والعاطفة النبيلة في سبيكة واحدة لا تفصم عراها. وحين كان يخطب في السياسة، لم يكن يكتفي بسرد الأحداث بل كان يفتح دروباً للسالكين في دروب الفتنة والضياع، ليدركوا حقائق الأشياء في جوهرها لا في ظاهرها، ويتبصروا في مآلات المواقف قبل اتخاذها، مخلفاً وراءه إرثاً فكرياً لا يزال بوصلة لكل من يبحث عن التحرر من الجهل والتعصب.
في هذه الأيام التي تشتد فيها الخطوب وتتلاطم أمواج الفتنة والضياع، نحن أحوج ما نكون إلى صوت ذلك الرجل الذي جعل من العقل بوصلة، ومن الوحدة عقيدة راسخة لا تتبدل، فالسيد محمد حسين فضل الله لم يكن مجرد مرجع ديني، بل كان مدرسة في التسامي فوق الجراح والحسابات الضيقة، موقناً أن قوة الأمة لا تكمن في تشرذمها بل في تماسكها الإنساني والإسلامي العام. لقد كان يرى أن التمسك بالقيم هو جوهر النصر، وكان يستحضر دائماً رمزية ذو الفقار ليس كآلة للحرب، بل كرمز للحق الذي يقطع دابر الباطل بحد الحجة والوعي، فكان يوصي بأن نكون كذو الفقار في وضوح الرؤية وصلابة الموقف، حيث لا يميل الحق لمصلحة، ولا تنحني القيم لضغط، وحيث تكون الكلمة رصاصة في وجه الجهل، والموقف جسراً للألفة والمحبة بين الناس. إن استحضار نهجه اليوم هو دعوة للعودة إلى رحابة التفكير الذي لا يعرف الانغلاق، ولنقاء الروح الذي لا يعرف الحقد، لنكون في مواجهة التحديات صفاً واحداً يدرك أن التماسك هو درعنا الوحيد، وأن العقل هو سلاحنا الأمضى في كشف مخططات التفتيت، ليبقى صوت الحكمة حاضراً فينا، يهدينا إلى سواء السبيل في زمن بات فيه البحث عن الحقيقة جهاداً يومياً.
رحم الله ذلك الفكر الذي كان لنا منارة في ليل الضياع، وجزاه عن أمة تعبت في البحث عن الحقيقة خير الجزاء، فلقد رحل جسده وبقي نبضه حياً في كل عقل أبى الانقياد للجهل، وفي كل قلب تمسك بالوحدة سبيلاً للنجاة، فسلام على روحه التي علمتنا أن نكون كذو الفقار في الحق، وأن نحمل هموم الإنسان بكل ما أوتينا من وعي ومحبة.
