بالمناسبة

الكارتيلات تحكم بقوة السياسة والخارج

الكارتيلات تحكم بقوة السياسة والخارج :
تحكم الحياة الأقتصادية اللبنانية الكارتيلات ، وهي موجودة في كل القطاعات الأقتصادية وموزعة بشكل حصص على الطبقة السياسية وبعضها ديني التي تحكم لبنان منذ الأستقلال وترسخت أكثر بعد أتفاق الطائف ، وكان أي تحرك لمواجهته أو حتى التخفيض من سيطرته ومن أحتكاره وبالتالي خفض الأسعار يتم مواجهته بشكل منظم من قبل زعماء الطوائف السياسية وحتى الدينية وبحملة أعلامية مدفوعة الأجر بكرم كبير .
هذه الكارتيلات كما ذكرنا تتوزع على كل الأنشطة الأقتصادية وتشمل :
– النفط والمحروقات
– الزراعة وتجارة الخضروات
– صناهة الأسمنت
– صناعة الألمنيوم
– صناعة النحاس
– تجارة واستيراد الأدوية والتجهيزات الطبية
– تجارة واستيراد المواد الغذائية
– تجارة واستيراد الغاز
اضافة الى قطاعات أخرى لا يسعنا ذكرها كلها هنا .
من الأمثلة الفاقعة على هذه الكارتيلات والداعمة لقيامها هو الوكالات الحصرية ، حيث يشرّع القانون اللبناني الوكالات الحصرية التي انهتها دول كثيرة تعتمد “النظام الاقتصادي الحر ، وهو النظام المعتمد في لبنان ، وأتاحت مجالاً للمنافسة ضمن قوانين ، فشل لبنان حتى الآن بإصدارها بسبب الضغوط السياسية ، منذ العام 2002.
ويعود ملف الوكالات الحصرية الى العام 1967، حين صدر مرسوم اشتراعي يحمل الرقم 34 (تاريخ 5 أغسطس / آب 1967) نص على حماية الوكالات الحصرية في المادة الاولى، معتبراً أن “الممثل التجاري” هو “التاجر الذي يقوم لحسابه الخاص ببيع ما يشتريه بناء لعقد يتضمن اعطائه صفة الممثل او الموزع الوحيد بوجه الحصر”.
وتقف السلطة اللبنانية عاجزة أمام هذا الواقع الذي اصطدم في السابق بمحميات سياسية ، منعت اقرار قانون المنافسة منذ العام 2007 ولغاية اليوم بحجة حماية السلع من التزوير في الداخل اللبناني، ومواجهة تهريب السلع المحمية بموجب قانون الوكالات الحصرية، ما يُعدّ خرقاً للقانون.
ولا يخفي مواكبون لمحاولات لبنان اقرار قانون المنافسة ان شركات كبيرة في لبنان تفرض نفسها على الدولة ، مما يصعّب القيام بأي خطوة لا تلتقي مع مصالحهم ، حيث فشلت الحكومات في الضغط عليهم لتخفيض الاسعار في كثير من الأحيان .
وتفرض الاحتكارات إرتفاعاً باهظاً بأسعار سلع أساسية لا بديل عنها، مثل الاسمنت الذي تحتكر صناعته وتسويقه في الداخل اللبناني ثلاث شركات محلية تبيع الاسمنت في الداخل بسعر 80 دولار اميركي للطن الواحد في كثير من الأوقات ، بينما يتم تصديره بسعر أقل يصل الى 40 دولار اميركي الى خارج لبنان، ويمنع القانون بنفس الوقت استيراد الاسمنت . كذلك تفرض الاحتكارات ارتفاعاً في أسعار الادوية ، وخصوصاً الادوية التي لا بديل لها (جنريك) ويقدر عددها بنحو 400 دواء… وقد استثنى القانون كل شيء يتعلق بالمواد الغذائية التي باتت خارج الوكالات الحصرية.
كما اتضح ان شراكة السياسيين بشكل مباشر وهم يستفيدون من تلك الكارتيلات ، فينفذون مصالحها بعدم اقرار قانون المنافسة أو أي قانون يسمح بدخول شركات تمنع أو تخفض من قيمة أرباحهم وفقا” لرؤيتهم .
من الواضح أن أكثر السياسات التي أغتمدتها الحكومات ومصرف لبنان كانت تصب دائما” في خدمة هذه الكارتيلات المملوكة من نفس الطبقة الحاكمة أو من جزء أساسي منها ، وقد رأينا كبف تم أعتماد سياسة الدعم منذ بداية الأزمة والتي صبت في مصلحة التجار من ناحيتين ، من ناحية الأبقاء على نفس وتيرة الأستهلاك عبر خفض أو الحفاظ على مستوى مقبول من الأسعار ، أو على مستوى تهريب جزء أساسي من المستوردات المدعومة الى الخارج أو تخزينها لبيعها في السوق السوداء .
من ناحية أخرى الحماية الخارجية لهذه الكارتيلات موجود وتصب في مصلحة الدول صاحبة هذه السلع من ناحية ، وتمنع التطور الطبيعي للأقتصاد المنتج الذي يمكن من حماية الأقتصاد اللبناني من الأنزلاق عند كل منعطف ويمنع قيام دولة قادرة وقوية ومعادية في نفس الوقت لأسرائيل ، وتخفض من القدرة على السيطرة والتحكم ببعض الأحزاب ، ومن الأمثلة على المشاريع الكبيرة التي يمكن أن تنقل لبنان من ضفة الأستهلاك الى ضفة الأنتاج ومنها مصافي النفط ، سكة الحديد ، مترو أنفاق ، نفق ضهر البيدر ، مدن صناعية ، محطات أنتاج كهرباء متجددة ، سدود مياه ، كلها مشاريع ممنوع على لبنان القبام بها لأنها لا تخدم هذه الكارتيلات لا بل تحجم هذه الكارتيلات وتخفض من أرباحها .
أما الحل فيتمثل اليوم في محاربة الكارتيلات التي تحظى بحماية ، وأقرار قانون المنافسة لتعزيز الشراكة بين القطاع العام والخاص لتأمين المنافسة وكسر الاحتكارات وتأمين الجودة الاعلى بالسعر الاقل كما يتمثل بالضغط الشعبي على نوابهم لأقرار القوانين التي تسمح بالأستثمار في لبنان ولا سيما في البنية التحتية والتي تؤدي ألى تخفيض عجز الميزان التجاري ولا سيما في موضوعي النفط والمشتقات النفطية ، وصناعة وتجارة الأدوية كونهما العاملان الأساسيان في عجز الموازنة .
فعلى مستوى النفط والمشتقات النفطية فأن أنشاء مصافي نفط واستيراد النفط بشكل مباشر من دولة ألى دولة يمكن أن يخفض من قيمة المستوردات النفطية بنسبة تزيد عن 50 بالمئة تقريبا” ، أي بما يزيد عن 2.5 مليار دولار ، كما يمكن الأستفادة من وجود أنابيب جاهزة لنقل النفط الى الشواطئ اللبنانية وبالتالي تخفيض الكلفة وأمكانية تصدير النفط والمشتقات الى دول مجاورة متعطشة لهذه المواد .
وعلى مستوى صناعة الأدوية وتجارتها ، والتي تبلغ سوقها الأستهلاكي في لبنان اليوم ما يزيد عن 1.4 مليار دولار ، والتي يمكن خفضها من خلال أنشاء مصانع جديدة ، والسماح بأستيراد أدوية الجينيريك والتي يمكن أن تخفض قيمة هذا الأستيراد بما يزيد عن النصف أيضا” .
أن القرار الجريء وحده يمكن أن يخرج لبنان من النظام الأستهلاكي الى النظام المنتج مع ما يحققه ذلك على المستويين الأقتصادي والسياسي ، فعلى المستوى الأقتصادي يخفض العجز في الميزان التجاري ، وبالتأكيد زيادة فائض ميزان المدفوعات وزيادة أحتياطي العملات الصعبة التي نعاني من أنحدارها اليوم ، وعلى المستوى السياسي يمكن أن تؤمن مناعة اتجاه الخارج بحيث تنخفض قدرة الخارج في التأثير على الأحزاب والطوائف والشعب اللبناني ، وما يعني ذلك من أستقرار ، وهو ما نحتاجه اليوم للنهوض .

د عماد عكوش

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق