
هل نحن أمام ويستفاليا جديدة ؟
د. نيڤين مسعد
تطرق مقال السبت الماضي للتطورات الإقليمية والدولية التي جرت في الشهور القليلة الماضية ، والتي انتهت بانعقاد لقاء بين مسؤولين أمنيين من كلٍ من السعودية وإيران بوساطة عراقية . جملة هذه التطورات دفعت البعض للحديث عن ريح جديدة تهب علي الإقليم ، فيما ذهب البعض الآخر للقول إن مسرح الشرق الأوسط يتهيأ لترتيبات جديدة كما تهيأ العالم لنظام جديد في القرن السابع عشر بعد صلح ويستفاليا الذي أنهي العداوات والحروب الأوروبية . فكرة الترتيبات الإقليمية الجديدة هذه هي فكرة قديمة لا تلبث أن تظهر مع الأحداث الكبري التي تشهدها المنطقة ، من أول توقيع معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل ، وانتهاءً بتسارع معدلات التطبيع العربي مع إسرائيل ، مرورًا باحتلال الكويت ثم احتلال العراق فالعدوان الإسرائيلي علي لبنان وموجة الحركات الاحتجاجية التي عمّت المنطقة اعتبارًا من عام ٢٠١٠ . وهاهي الفكرة يعاد طرحها مجددًا في سياق مختلف ، فماهي ملامحها وماهي فرصها في الحياة ؟
في مقاله الذي سبقت الإشارة إليه السبت الماضي ، كتب المفكر اللبناني قاسم قصير متسائلًا علي موقع عربي ٢١ “هل هبّت رياح ويستفاليا في بلادنا ؟” . وأجاب بأن الفرصة أصبحت الآن أقوي وأفضل للتوصل إلي ” وقف كل الحروب والصراعات كي نتفرغ لمواجهة العدو الحقيقي وهو العدو الصهيوني ، وكي نستفيد من ثرواتنا للتنمية والبناء وتطوير الإمكانيات والحصول علي الثروات التكنولوچية، وكي نكون جزءًا من مشاريع البناء والاستثمار الدولية والإقليمية “. واستعرض قصير في هذا الخصوص بعض الاجتهادات الفكرية بل والمؤسسية التي كانت تشتغل علي اتجاه التقريب بين العرب ودول جوارهم ، ومن بين هذه الاجتهادات فكرة الكونفيدرالية المشرقية التي طرحها المفكر الفلسطيني أنيس نقاش وضمّنها كتابًا حمل نفس العنوان صدر في عام ٢٠١٦ ، كما أن من بين هذه الاجتهادات مجلس السلم والتعاون الإقليمي الذي تأسس في عام ٢٠١٩ من أطراف تنتمي للمجتمع المدني وتتوزع علي دول عربية وغير عربية . وهكذا نفهم أن ويستفاليا التي يشير إليها قصير هي عبارة عن ترتيبات إقليمية تنبثق عن تصالح العرب بالأساس مع القوميتين التركية والإيرانية ( وربما الكردية أيضًا) ، وأنها تضمن تحقيق التفرغ حتي يكون من الممكن مواجهة إسرائيل ، وأن الخطوة الأولي لهذه الترتيبات تبدأ علي مستوي الشعوب مع الأمل في أن تنتقل لاحقًا إلي مستوي الحكومات .
تتقاطع الترتيبات التي استعرضها قاسم قصير مع مبادرة أسبق منها زمنيًا كان قد تقدم بها في عام ٢٠١٠ السيد عمرو موسي عندما كان أمينًا عامًا لجامعة الدول العربية ، وهي تقوم علي أساس تكوين رابطة لدول الجوار العربي تبدأ بضم تشاد ، ثم يتوالى ضم دول الجوار تباعًا . لكن مع ذلك هناك اختلاف بين الطرحين . فمن ناحية كان عام ٢٠١٠ هو عام استمرار التأزم في العلاقات العربية -الإيرانية ، بحيث كان يُعّول علي رابطة دول الجوار الجغرافي في توفير إطار يسمح بتخفيف حدة الاحتقان في تلك العلاقات ، أما ترتيبات ٢٠٢١ فمن المفترض أنها تستثمر أجواء المصالحة مع دولتّي الجوار الرئيستين إيران وتركيا من أجل تمتين العلاقات معهما وتطويرها . من ناحية أخري فإن الرابطة لها امتداد أفريقي مهم لا يتوفر للترتيبات ذات البؤرة المشرقية الآسيوية بالدرجة الأولي ، ثم أن الرابطة وكتحصيل حاصل هي مبادرة رسمية تنطلق من جامعة الدول العربية ، و بالتالي فإن عدم ترحيب بعض الدول العربية المهمة بها أدي لتجميدها لأجل غير مسمي . من ناحية ثالثة فإن الرابطة لم تنشغل بقضية العلاقة مع إسرائيل لأنها مع الأسف صارت قضية تُفرّق ولا تجمع ، أما الأفكار التي طرحها قصير فإنها تتعامل مع إسرائيل بوصفها العدو ، وهذه نقطة مُختَلَف عليها كما قلت ، فإذا كان المطلوب هو التفرغ لمواجهة إسرائيل فتركيا وعدد لا بأس به من الدول العربية لا يشتركون في هذا الهدف . بل إن التحدي الذي ستواجهه أجواء المصالحة العربية مع دول الجوار هي في كيفية تجنب المزيد من استفزاز اسرائيل التي لا شك أنها لن تألو جهدًا لتخريب هذا التطبيع ، وقد بدأت في ذلك بالفعل .
إن من حقنا أن نتفاءل تفاؤلًا حذرًا بالتطورات الإيجابية التي تشهدها العلاقات فيما بين الدول العربية ومع دولتّي الجوار ، ونأمل أن تنتهي مفاوضات چنيف إلي صيغة للعودة المتزامنة للاتفاق النووي ، وأن يفتح ذلك الباب أمام التفاهمات السياسية حول قضايا المنطقة ويشجّع التبادل التجاري وحركة السياحة ويضبط الحدود ويعزز الأمن ، ولو تحققت تلك الأهداف فإنها تمثل إنجازات معقولة جدًا تساعد علي نزع فتيل الصراعات القائمة والمحتملة ، وتحافظ علي هامش الاختلاف بين السياسات الخارجية للدول فتركيا لن تكون إيران وقطر لن تكون الإمارات أو مصر . والمطلوب هو ألا يرتفع سقف التوقعات بأعلي كثيرًا من الحركة علي الأرض خشية الإحباط ، فمازالت المصالحات في بداياتها الأولي ، ولها مردودات قد تسهم في تعطيل حركتها كأن يثير الدور العربي النشط للعراق أطرافًا لا يناسبها هذا الدور أو أن يثير التقارب المصري -التركي إن تحقق جماعات ليست صاحبة مصلحة في هذا التقارب ، فلنسعَ إذن إلي البناء علي ما تحقق من انفراج ونعززه ونترك مخرجاته تختار لنفسها الاسم الذي يناسبها : ويستفاليا أو أي اسم آخر.
الأهرام ١ مايو ٢٠٢١







