
غالبا ما يصاحب البكاء حالة من الأنكسار والضعف يعبر عنها صاحبها بواسطة الدموع لأنه لا يملك وسيلة غيرها تمكنه من تغيير الواقع الحزين او المرير الذي يعيشه والبكاء ايضا هو وسيلة استجداء يمارسها البعض لأستدرار العواطف وتحقيق المأرب عبر هذه الصورة الأستسلامية
حتى الأطفال يلجأون الى البكاء كوسيلة ضغط للحصول على ما يرغبون به الا البكاء على مصاب الحسين في كربلاء فهو حالة فريدة ونوعية ولا ينطبق عليها أي مما ذكرناه سالفا فالدموع التي تنهمر تلقائيا من عيوننا
هي تعبير عن حالات وجدانية تتجاوز حدود الأهداف الذاتية وتسمو بنا
الى عوالم اخرى ما كان لنا ان نصل اليها الا عبر صعودنا على متن سفينة عاشوراء فنرفع بأيدينا الأشرعة عسانا نصل الى المشرعة فنسقي عطاشى الحسين جرعة من ماء نضرب امواج اليزيدين بمجداف غضبنا عسى ان نصل الى الخيام فنطفىء نارها قبل ان تروع زينب وباقي النسوة والأطفال ونخال ان دموعنا ستتحول الى نهر جارف يسقي الأفئدة الحرة ويطفأ نار الكفرة ويجرف الأعداء من طريق البررة والحقيقة هي اننا
بدموعنا تلك نعبر عن الحسرة التي تعتمر نفوسنا من تقصيرنا وصغر مقامنا أمام هؤلاء العمالقة الربانيين محاولين ان نطفأ جذوة غضب
احرقت قلوبنا منذ سنين على أناس ما زالوا حتى الساعة مشككين بعظمة هذه المدرسة معتقدين بأن ما قام به أمامنا الحسين هو حدث تاريخي مضى وانقضى وأن احياء هذه الذكرى هو شعيرة مذهبية وبأن البكاء هو حالة هستيرية ومعذورون اصحاب هذه النظرية فهم لم يقدر لهم دخول المدرسة الحسينية ليتلقوا دروسا الهية فيدركوا ساعتئذ بأن حسين هو شهيد الأنسانية وبأنه كتب بدمائه ودماء اولاده واخوته وأصحابه الزكية ملحمة ألهية رسم لنا من خلالها طريق الجنة فكانت دماءه هي زيت مصباح الهدى ورأسه المرفوع فوق القنا هو شراع سفينة النجاة وبأن البكاء على السيرة هو مجرد تعبير عن الحالة الوجدانية التي توصلنا الى التفاعل مع هذا الحدث الجلل وكأنه حصل قبل لحظات ولنتعلم بأن السنوات قد تمحو أثار المستكبرين ولكنها أعجز من ان تمحو اثار الخالدين التي ترتبط بأصل وجود هذا الدين وهو باق الى ابد الأبدين وبالتالي فأن ارتباط ثورة الحسين بدين جده هو عروة وثقى لا تنفك اواصرها مدى الدهر وبأن احيائنا لهذه الذكرى هو بمثابة احياء لنفوسنا التي أماتها التنافس على الدنيا وجعلنا نسعى لنيل ملك الري حتى لو عن طريق طاعة اللئام والمشاركة في قتل الكرام فتأتي هذه الذكرى لتميط اللثام عن وجه الحقيقة بأن خروجنا ولو لدقيقة من ساحة
المعركة قد يوقعنا في شرك الشيطان وهي الوقت الذي استغرقه الحر ليأخذ القرار بالدخول وليأخذه ابن سعد للخروج والوقوف بالجهة المقابلة
فالعبرة هنا ليست بالتواجد الحسي فعمر بن سعد امضى معظم حياته الى جانب الأمام علي بينما الحر كان قائدا في جيوش الأمويين ولكن العبرة في الفطرة السليمة التي ارشدت الحر الى طريق معسكر الحق والفطرة الخبيثة التي وضعت ابن سعد في معسكر الباطل فالعبرة بالخواتيم والعبر بالنتائج وتفكير دقيقة رحمانية نقل الحر من النار الى الجنة ودقيقة شيطانية دنيوية نقلت ابن سعد من الجنة الى النار فعلينا ان لا نفوت تلك الدقائق التي تدخلنا الى عالم الحسين عبر المسرح الكربلائي وعلينا ان نستغلها في التدقيق بكل مشهد من مشاهده وكل عبارة من عباراته فهي
بمثابة طوق النجاة من طوفان هذه الحياة فأي مدرسة مجانية تلك التي تعطيك دروسا في الأنفة والحمية في التضحية والأيثار في الشجاعة والمواجهة في الثبات رغم عظيم الجراح في ان تكون شامخا في حضرة الأنكسار ان تكون رغم القيود والسلاسل سيدا للأحرار ان تلقن عدوك دروسا في الكبرياء حين تكون وحيدا اسيرا خلف الأسوار مؤمنا بأنك
ستسجل عليه الأنتصار لأن قوته ما هي الا عجل له خوار وقوتك عصا الهية ومعجزات مسيحية وأيات محمدية وسيف ذوالفقار كلها اجتمعت في قبضة حسينية لتسطر ملاحم كربلائية فكتبت للبشرية اعظم انتصار .
اذرف دموعك عندما تستحضر في قلبك كربلاء فما اعظمه من بكاء
فأنا ما بكيت يوما على حسين الا وشعرت بمزيد من الكبرياء وكن مجاهدا في ميادين التبيين فلأن هدى الله بك رجلا هو خير مما طلعت عليك الشمس .






