
الدين لله .. لا أدلجة في الدين!
عبد العزيز بدر القطان*
إن أردنا تبيان أي أمر وتحليله والخروج بنتيجة مقنعة، لابد من الحديث بصراحة مطلقة، وأبدأها بالقول، إني كإنسان حر، مع حرية المعتقد، طالما لا يمس معتقدي وما أؤمن به، وما لم يعتدِ على معتقدات ورموز الآخرين.
أؤكد أني إصطدمت سواء أنا أو غير مع كثيرين وإختلفنا، لكن مواطن الخلاف تلك ليس مكانها منصات وسائل التواصل الإجتماعي، خاصة إن كان النقاش حول الإختلاف ما بين المذاهب الإسلامية أو الديانات السماوية علمياً، وهنا أستثني الرد على الملاحدة الذين يعمدون إلى إثارة شبهاتهم التي هي ضد الأديان بصورة عامة، ولست بصدد الدخول في نقاشات طالما هي خارج معتقدي ومنهجي عموماً، ما أود الوصول إليه أن النقاشات حول الخلافات بين مختلف المذاهب والديانات لن تؤدي إلا لنتيجة واحدة وهي زيادة الفرقة بين المكونات هذه ولا تخدم إلا الأعداء وفي مقدمتهم “العدو الصهيوني”، لأن من نختلف معهم عقدياً ودينياً يعيشون بيننا، وأيضاً ينطبق هذا الأمر على الفرق الإسلامية لأن تزيد الفجوة بين بعضهم البعض.
وبالتالي، أنا ضد الإعتداء على رموز الآخرين تحت أي مسمّى، خاصة وأن الحرب السورية خلال عشر سنوات على سبيل المثال أفرزت نفساً ونغماً طائفياً بصرف النظر عن سرد المسببات والتي هي معروفة بطبيعة الحال، ومن المعلوم أن سوريا عبارة عن لوحة فسيفسائية كما يقال، لم نسمع يوماً عن أحداث طائفية حدثت فيها على مدى عقود طويلة إلا بعض الأحداث الفردية والتي هي موجودة في أي بلد، وأن السيطرة فيها كانت لدولة القانون، وكل كلامي في سياقه العام وليس تحيزاً لأطراف على حساب أطراف موالاة كانت أم معارضة، وكذلك الأمر ينطبق على العراق بين الأمس واليوم، ولن أشرح واقع أصبح هو الآخر معروف للجميع، سواء على صعيد الحرب الطائفية العام 2006، أو تفريغ هذا البلد من مكوناته الأساسية (الصابئة والمندائية والآيزيديين والآشورية والمسيحية والأكراد وجزء كبير من الإسلام خاصة مظلومية أهل السنة كما ظلموا الشيعة في يوم من الأيام)، وهنا بحسب المنظمات الإنسانية الدولية وحديثها عن الكثير من الجرائم والإخفاء القسري والمعتقلات وما شابه ذلك.
كذلك في مصر الخالية من الطائفية لكن البعض ومع كل الأسف، حاول أن يلبّس على الناس فيها ويعمم علك مصر بأن لا يوجد فيها إلا صنفين فقط (عسكر وإخوان)، وهذا كلام بعيد عن الواقع لأن مصر النيل فيها مكونات أيضاً من أقباط ومسيحيين لوحدهم 7 طوائف والمسلمين على مختلف مشاربهم الأربعة الإسلامية من سنة وأيضاً شيعة، وإسماعيلية، لكن القانون هو الغالب وكلهم سواسية لما قبل حكم الرئيس الراحل محمد حسني مبارك.
ما ورد أعلاه كان للحديث عن الدول بمعنى السيادة لا السياسة وبمعنى التعايش الكريم والحريات في كل شيء، ولننظر اليوم كيف تحولت الدول إلى مشاريع “اللا دولة”، وخرجت أحقاد من البيت الواحد ومن تحالف بيوت ضد آخرين لتنفيذ أجندات رخيصة على حساب الأوطان، وأصبح الإنسان إن ذكر الوقائع كما هي إن لم تناسب البعض، يعتبرونه ضد هذه الدولة أو تلك، وهنا لا أتحدث عن أية تدخلات عسكرية، إن التحالفات بين الدول إذا زادت عن حدها الدبلوماسي والإقتصادي والسياسي يصبح إسمها (تدخل) سواء أعجبك القول أم لا، هناك تدخلات تستخدم الدين أو المذهب غطاء لتشكيل بيئتها الحاضنة في البلد المضيف وبالتالي تقوية نفوذها لغايات تتعلق بها لا بالبلد الآخر، وهذا ما شرحته مطولاً في مقالات سابقة عن إحلال “الإسلام السياسي” من بوابة التجييش الديني، شرقاً وغرباً وحتى في منطقة الخليج لأكون منصفاً، من اعتمد الدين لغاية سياسية، فأصبح موالاة هذه الدولة ليس لإسلامها بل لمذهبها ولدولتها (السياسية) التي دعمت هذا المذهب سواء كان سنياً أم شيعياً، وهذا الأمر ليس حرية معتقد خاصة وإن يؤثر على نسيج متكامل من عقائد أخرى تعيش كما أشرت أعلاه داخل المجتمع الواحد، عندما يجيّر الدين لغايات سياسية!
هذا الموضوع على الرغم من حساسيته العالية لكن واجبي مهنياً وأخلاقياً الخوض فيه، خاصة عندما يتم التغرير بالناس بهذه الطريقة والولاء لمذهب معين وفكرة معينة عبر نشر مؤسسات دعوية وتبشيرية متخصصة لهذه الغاية تفرغ أي دين من مضمونه وتجيّره لتحقيق مصالح سياسية خالصة، وهذا إعتداء سافر على المكونات الأخرى، وبالتالي تتم أدلجة المتلقي من هؤلاء الناس، مع الإشارة إلى أن معظمهم ناس بسطاء، وإلا لما قدروا على غسل أدمغتهم، ويصبح ولاءهم للدول تلك، ضاربين عرض الحائط ببلدهم ودستورها وقوانينها، وبالتالي يصبح إن علم أم لم يعلم إلى رجل إستخباراتي خدمةً لتلك الدولة أو تلك، لأن ولاءه للمذهب الديني الذي يعتقد فيه وللقيمين عليه، هؤلاء ما هم إلا قنابل موقوتة داخل بلدانهم وبالتالي يهدد أمن بلده من خلال تجار الدين وما يفعلوه بتلك البلدان.
التبشير بالديانات أم خطير وأنا ضده بكل ما تحمله الكلمة من معنى، والجدير بالذكر أن الدعم سابقاً كان لجامعات إسلامية وجمعيات خيرية ونشاطات دعوية وطبع منشورات وكتب وأشرطة ودعم بعثات دراسية دون نسبة للطلبة من الدول الفقيرة لكن الخطير في هذا الأمر لا يقبلون لهؤلاء الطلبة التخصص في أي مجال إلا الديني ليتحولون تلقائياً إلى مخبرين دينيين بعمائم وزي ديني، ظاهراً، لكن ولائهم لما تم تعبئته في دماغهم خلال سنوات دراستهم، ويتحول الولاء للدولة المستقبلة التي تدفع لنشر فكرها وأيديولوجيتها وتشكّل جيشاً من الموالين لها، تراهم في المدارس وفي المظاهرات وفي المحطات الإعلامية وعلى المنابر، وفي المؤتمرات وبالتالي هناك توجيه مخصص لهم وهم يؤدون الدور الوظيفي المناط لهم بإمتياز وبالطبع لا نغفل أن هناك إغراءات مادية، كما في أوروبا وتحديداً “الإنجيليين”، لكن الطامة الكبرى أن دول عربية كثيرة إنخدعت ويحدث فيها هذا الأمر، مثل الصومال واليمن وسوريا والعراق ولبنان والسودان ومصر والآن تونس.
وهنا أود الإشارة إلى أنني شخصياً لست ضد تحول أي شخص إلى الديانة التي يريد، فهذه حريته الدينية وله فيها ما يشاء، لكن خلافي على أن يوالي الدولة التي تعتنق هذا المذهب تنفيذاً لمشروعها السياسي على حساب ولاء البلد الأم، فالهدف من التبشير بالمذاهب تلك، تقوية نفوذ فكيف نستطيع الإختباء خلف إصبعنا ونتنكر لهذه الحقيقة التي نراها واقعاً محاط بيننا، فكيف لك علم وطنك الخاص بينما أعلام ورموز الآخرين تملأ شوارع بلدك، وهذا لا نراه في الدول عادةً إلا عند اللقاءات الثنائية أو في السفارات، فترى صوراً للأمراء والملوك ورجالات الدين، ورؤساء الأحزاب وما شابه ذلك وكله لذات النهج سياسياً كان أم دينياً وهو قمة التنكر للبلد الأم الذي حمل جنسيتها وأكل من خيراتها وولاءه لغيرها. فهم مأدلجون للأسف لا يحترمون قانون بلدهم ولا دستورها.
لكن لنعكس الصورة، ولنسأل هؤلاء، هل يسمح لهم رفع صور زعماءهم ونشرها في تلك البلاد، لا يمكن لذلك أن يحدث بأي شكل من الأشكال، فما أريد التركيز عليه، هو موضوع الأدلجة التي قتلت الأمة العربية والإسلامية، فرغم أني من دعاة التقارب بين المذاهب والحب فيما بينها ونشر السلام، لكني من أشد دعاة تطبيق القانون وعدم تدخل دول في شؤون الدول الأخرى على الصعيد الداخلي، وإحتلال ناعم، فلو كان عسكرياً لتم التعامل معه من جيوش تلك البلاد، لكنه إحتلال بطرائق لم يعهدها مجتمعنا أبداً، غير آبهين بسيادة تلك الدول ومصالحها وهل ترحب بهذا التدخل.
الدين مقدس ولا يجب إقحامه في السياسة لتنفيذ الأجندات الخاصة أياً كانت ومهما كانت، فمن يشارك في مثل هذا الأمر هو خائن للدين وللوطن للأمة كاملةً، وللإسلام الذي يدعو إلى الوحدة ونبذ الفرقة بين المذاهب والأديان، لأنك بذلك تقسم الأمة الإسلامية وإخوانك المسلمين، لا تكن أداة يتم تحريكها لتخون بها بلدك، لأنك تتحول إلى إنسان (أحمق) لا كرامة لك، لأن دينك يدعو إلى التسامح ونشر المحبة والسلام ولا يدعوك إلى إستفزاز الآخر إن كان على مذهب أو دين آخر.
فلنبعد الدين عن السياسة، وأن تكون مهمة رجالات الدين تربية طلبة العلم لأجل الدين لا لأجل الحاكم أو الملك أو المرجع، ويولون كل الإهتمام بتعليم الأحاديث النبوية الشريفة والأسانيد وعلوم القرآن وعلوم اللغة العربية من نحوٍ وصرف وبلاغة، والجرح والتعديل والتربية والتزكية وعلوم الفقه للمذاهب الإسلامية جميعاً، لا أن نحول هذه الغاية كدكاكين لأجل السياسة، وكلنا نرى الدين مقدساً ونحترم المذاهب الأخرى ونقدرها وإن إختلفنا معها، ونحن لا نقبل أن يتم إستخدامنا كأدوات لمصالح ضيقة.
*كاتب ومفكر – الكويت.






