Uncategorizedاقلام حرة

الدكتور جعجع: «سنقاتل السوريين إذا حاولوا دخول لبنان عسكرياً


في جولات فكرية وسياسية ممتدة كالعادة، وإن كانت متباعدة، جمعتني نقاشات مع شخصيات مسيحية وازنة تشكل عصب العقل الجمعي النخبوي في المجتمع المسيحي؛ وهم من وزراء ونواب ورجال دين وأصحاب اختصاص فكري. هذه النخب هي التي تولد الوعي العام، حيث تتبلور لديهم الأفكار لتتحول إلى مشاريع سياسية متكاملة تمتاز بالقوة والإحكام. وهذا العرف ليس وليد اللحظة، بل هو إرث أسسته الكنيسة منذ قرون عبر مروحة واسعة من العلاقات مع مختلف الأطياف اللبنانية، مما مكن بطاركة الموارنة تاريخياً من اتخاذ مواقف صلبة في المحطات المصيرية؛ بدءاً من مواجهة الحصار العثماني، وصولاً إلى رفض الوصاية السورية ومشاريع التقسيم، وانتهاءً برؤية البطريرك الراعي حول الحياد.

إن هذه الأحاديث والنقاشات التي خضتها طيلة شهر تموز، والتي تركزت حول احتمالات التدخل السوري في لبنان وموقع المعارضة الشيعية، كانت الدافع وراء مقالي المنشور في العشرين من تموز 2026 تحت عنوان “المسيحيون يرفضون التوغل السوري كما يرفضون الاحتلال الإسرائيلي”. لقد جاء ذلك المقال رداً على اعتقاد ساد لدى بعض الأوساط الشيعية بأن المسيحيين قد يقبلون بتدخل سوري إذا كان سيؤدي إلى إضعاف حزب الله ونزع سلاحه. إلا أن كلام الدكتور سمير جعجع بالأمس، في قداس شهداء القوات اللبنانية، جاء ليحسم هذا الجدل بوضوح تام، مؤكداً أن الموقف من السيادة لا يتجزأ، وأن الكرامة الوطنية لا تُقايض بخصومة سياسية.

وبالمثل، وفيما يخص “المعارضة الشيعية” التي سمعنا صوتها مؤخراً وهي تتحدث عن تخلي الجميع عنها، لست أدعي أنني كنت السبب الوحيد في عزلها مسيحياً، لكنني كنت قد أوضحت لهم الحقيقة في مقال “الموارنة والشيعة” الصادر في 21 تموز 2026؛ حيث قلت حينها: “للأسف، لا يزال بعض الشيعة، وربما من بينهم ناشطون ومن يدعون أنهم منظّرون ومعهم من يسمون أنفسهم (المعارضة الشيعية)، يعتقدون أن مهاجمة حزب الله، أو التصعيد ضد إيران، كفيل بأن يجعلهم في نظر الموارنة قادةً أو نخباً أو أصحاب مشروع سياسي.. وهذا اعتقاد خاطئ”. فالموارنة يبحثون عن شركاء في الوطن، لا عن أدوات لتصفية الحسابات.

إن الموقف الذي أعلنه قائد القوات اللبنانية في ذكرى شهدا القوات، ليس مجرد استهلاك سياسي أو وعود، بل هو تعبير عن عقيدة لبنانية وقرار ماروني مسيحي حاسم بمواجهة أي تدخل عسكري سوري جديد تحت أي ذريعة كانت. فالدكتور جعجع، برغم معارضته الجذرية لسلاح حزب الله، يضع رفض الدخول السوري في الكفة الموازية تماماً، معتبراً أن حماية الحدود هي مسؤولية حصرية للجيش اللبناني والقوى الأمنية. وقد تجلى هذا البعد في خطابه حين استعاد نشأته في “الشياح” وتجذره في “بشرّي” و”دير الأحمر”، ليؤكد على التفاعل المستمر مع الإخوة الشيعة، موجهاً رسالة طمأنة لأهالي البقاع بأن التخويف من اجتياح سوري عبر الحدود الشرقية ليس له مكان في قاموس الدولة السورية الجديدة، مشدداً بقوله مكررا كلمة اذا: “أما إذا.. إذا.. إذا دعا الواجب،؟ فلن نتأخر لحظة واحدة للدفاع عن الأراضي اللبنانية كلها، كما دافعنا في السابق عن مناطق تواجدنا، فلا داعي لا للخوف ولا للقلق”.

تكتمل هذه الرؤية بفلسفة اجتماعية عميقة طرحها جعجع، حين اعتبر أن الطائفة هي “الأم” ولبنان هو “الأب” الذي يحمي الجميع ويؤمن لهم الحياة الكريمة. وهي دعوة صريحة للتمسك بالهوية الوطنية كجامع نهائي؛ فإذا تخلى الأبناء عن والدهم (الوطن) لصالح الانغلاق في حضن الأم (الطائفة)، انهارت العائلة وتفككت الأواصر.

إن ما أكده الدكتور جعجع في خطابه المفصلي يتقاطع تماماً مع ما استشرفته في مقالي المنشور في 4 آب 2026 بعنوان “السوري يلعب سياسياً وإعلامياً على تناقضات الشيعة والمسيحيين”، حيث خلصتُ إلى أن المزاج السياسي المسيحي، على اختلاف اتجاهاته، قد اتخذ قراره النهائي برفض عودة أي وصاية سورية، مهما كانت المبررات أو العناوين المرتبطة بملف السلاح. فبينما يرحب اللبنانيون بأفضل العلاقات مع سوريا على قاعدة الندية والاحترام، تبقى عودة القوات السورية خطاً أحمر يصعب تجاوزه، مما يثبت أن الوعي اللبناني قد تجاوز مرارات الماضي نحو صياغة مستقبل لا مكان فيه إلا للدولة ومؤسساتها الشرعية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى