قراءة استراتيجية أولية في مشروع الاتفاق اللبناني–الإسرائيلي: الإيجابيات والإشكاليات من منظور المصلحة اللبنانية

قراءة استراتيجية أولية في مشروع الاتفاق اللبناني–الإسرائيلي: الإيجابيات والإشكاليات من منظور المصلحة اللبنانية
إعداد: الدكتور فريد جبور
مونتريال – كندا
26 حزيران 2026
مقدمة
يقوم أي اتفاق سلام أو إطار أمني ناجح على مبدأ جوهري في القانون الدولي، هو التوازن بين الالتزامات المتبادلة. فكلما اختل هذا التوازن، ازدادت احتمالات تحول الاتفاق إلى مصدر نزاع جديد بدلاً من أن يكون مدخلاً إلى الاستقرار.
وعند قراءة مشروع الاتفاق المتداول، يظهر أن النص يمنح مساحة واسعة لمعالجة الملف الأمني، لكنه يترك عدداً من القضايا الجوهرية المتعلقة بالسيادة والضمانات وآليات التنفيذ بحاجة إلى مزيد من الوضوح والتوازن.
أولاً: اختلال التوازن بين الالتزامات
يفرض المشروع على لبنان التزامات تفصيلية ومتدرجة تتعلق بحصر السلاح بيد الدولة، وإعادة بناء المؤسسات الأمنية، ومنع التمويل، وربط المساعدات بمراحل تنفيذ محددة.
في المقابل، تبدو الالتزامات الإسرائيلية أكثر عمومية، إذ ترتبط إعادة الانتشار والانسحاب بتحقق شروط أمنية متعددة وآليات تحقق لاحقة.
وفي علم التفاوض، كلما كانت التزامات أحد الطرفين محددة زمنياً، بينما التزامات الطرف الآخر مشروطة أو مفتوحة، ينشأ اختلال في ميزان التنفيذ.
ثانياً: ربط الانسحاب بشروط متتابعة
يربط المشروع إعادة انتشار القوات الإسرائيلية بعدة عناصر:
– نزع السلاح.
– التحقق من التنفيذ.
– نجاح المناطق التجريبية.
– استكمال الترتيبات الأمنية.
وهذا يعني أن الانسحاب لا يرتبط بتاريخ محدد، بل بسلسلة من الشروط المتعاقبة، الأمر الذي قد يفتح الباب أمام اختلاف دائم حول مدى تحقق هذه الشروط.
وتبين تجارب عمليات السلام أن غياب جدول زمني واضح يطيل مراحل التنفيذ ويزيد فرص الخلاف.
ثالثاً: غياب الضمانات المتبادلة
يتحدث المشروع عن دور أمريكي واسع في التحقق والإشراف والدعم.
إلا أن النص لا يبين بصورة واضحة:
– ماذا يحدث إذا أخل أحد الطرفين بالتزاماته؟
– من يحدد وقوع الإخلال؟
– هل توجد هيئة تحكيم مستقلة؟
– هل توجد آلية إلزامية لتسوية النزاعات؟
وفي الاتفاقات الدولية، كلما ضعفت آليات فض النزاع، ازدادت احتمالات تفسير البنود بصورة متعارضة.
رابعاً: حق الدفاع عن النفس
تنص المادة السابعة على احتفاظ الطرفين بحق الدفاع عن النفس وفق ميثاق الأمم المتحدة.
وهذا مبدأ معترف به في المادة 51 من الميثاق، لكنه يصبح محل جدل عندما لا يحدد الاتفاق كيفية تقدير وجود التهديد الوشيك، أو الجهة التي تتحقق منه، أو حدود استخدام القوة.
ومن الناحية العملية، فإن ترك هذا المفهوم دون معايير إجرائية قد يؤدي إلى اختلافات متكررة في تفسيره.
خامساً: المساعدات المشروطة
يربط المشروع المساعدات الأمريكية والدولية بتحقيق مراحل محددة يمكن التحقق منها.
ورغم أن ربط التمويل بالإصلاحات أمر معمول به في العلاقات الدولية، فإن الإفراط في الشروط قد يجعل عملية إعادة الإعمار رهينة لمسار سياسي أو أمني طويل، بينما تحتاج المناطق المتضررة إلى استجابة إنسانية وتنموية سريعة.
سادساً: المناطق التجريبية
يقترح المشروع اعتماد “مناطق تجريبية” لإعادة الانتشار.
ومن منظور إدارة النزاعات، قد تكون هذه الآلية مفيدة لبناء الثقة إذا كانت مؤقتة وواضحة المعايير.
أما إذا غابت المهل الزمنية أو بقي تقييم النجاح خاضعاً لتقديرات سياسية، فقد تتحول المناطق التجريبية إلى مرحلة انتقالية مفتوحة.
سابعاً: الملفات غير الواضحة
لا يظهر في النص، بالوضوح نفسه الذي يظهر فيه الملف الأمني، تناول تفصيلي لعدد من القضايا التي تعد مهمة للبنان، ومنها:
– آليات معالجة أي خروقات مستقبلية.
– الضمانات التنفيذية المتبادلة.
– معالجة النقاط الحدودية المتنازع عليها إذا بقيت قائمة.
– تحديد إطار زمني ملزم لإنجاز اتفاق السلام النهائي.
– دور المؤسسات الدولية، مثل الأمم المتحدة، في الرقابة أو التحقق.
وكلما غابت هذه العناصر، ازدادت الحاجة إلى ملاحق تفصيلية أو بروتوكولات تنفيذية.
ثامناً: الإيجابيات المحتملة
في المقابل، يتضمن المشروع عناصر قد تحمل آثاراً إيجابية إذا اقترنت بضمانات متوازنة، ومنها:
– السعي إلى إنهاء النزاع بصورة رسمية.
– دعم إعادة الإعمار.
– تعزيز دور مؤسسات الدولة اللبنانية.
– عودة المدنيين إلى مناطقهم.
– تحريك الاقتصاد عبر برامج دعم واستثمار.
غير أن تحقيق هذه الأهداف يبقى مرتبطاً بطريقة تنفيذ الاتفاق، لا بالنصوص وحدها.
الخاتمة
إن أي اتفاق مستدام ينبغي أن يحقق أربعة توازنات أساسية:
1. توازن الالتزامات.
2. توازن الضمانات.
3. توازن آليات الرقابة.
4. توازن الجدول الزمني للتنفيذ.
ومن دون هذه العناصر، قد يجد كل طرف نفسه متمسكاً بتفسير مختلف للنص، فتتحول الاتفاقات إلى مصدر جديد للنزاع بدلاً من أن تكون إطاراً لإنهائه.
لذلك، فإن المصلحة اللبنانية، من منظور تفاوضي وقانوني، تقتضي السعي إلى:
– تحديد جدول زمني واضح ومُلزم لأي إعادة انتشار أو انسحاب.
– إنشاء آلية مستقلة وذات مصداقية للتحقق وتسوية النزاعات.
– ضمان توازن الالتزامات بين الطرفين.
– الفصل، قدر الإمكان، بين المساعدات الإنسانية العاجلة والمسارات السياسية طويلة الأمد.
– إدراج ضمانات متبادلة لاحترام السيادة ومنع أي خرق مستقبلي للاتفاق.
ففي التجارب المقارنة، لا تُقاس جودة اتفاقات السلام بعدد بنودها، بل بقدرتها على تحقيق التوازن بين الأمن والسيادة، وبين الالتزام والضمان، وبين النص والتطبيق.
د فريد جبور
هذا المقال بعبر عن رأي الكاتب وليس الموقع

