اقلام حرةمقالات

رحل الذين كانوا همزة الوصل.

عند النهايات تنتهي القصص،يجلس الجميع كل على حدة،متفرقين، يتحسّرون على وقت كان حيّوياً ومضى.
لا أحد يعاتب احد،رحل الذين كانوا يعتبون على الحضور والغياب.
رحل الذين كانوا هنا وهناك همزة الوصل.
الهدوء سكون اكثر مما يجب،صار المرء يشتاق ويحسد من في بيته ضجيج أطفال وقربه هدير باص مدرسة.
مذ شاهدت استاذك الرائع يتوجع في المستشفى وانت الطبيب فهمت ان كل أرقامه ومعادلاته في الفيزياء كانت اوهاماً لا تسعفه.
ظن الذين رحلوا انهم أنهوا واجباتهم مع أولادهم الا انهم ما كانوا يعلمون انهم وهم يكملون المهمات تنتهي أعمارهم.
رحل الذين كانوا هنا وهناك همزة الوصل،الذين كانوا يرممون العلاقات العاطفية والاجتماعية والعائلية بين الأبناء ليتماسكوا وليدافعوا عن بعضهم البعض إن ساءت أمور أحدهم وغلبته الاقدار ورمته العواصف.
مذ رحلوا ما عاد جاء إلى الدار احد.
الشارع الذي كان يغص بالسيّارات صار ممراً هامشياً للطيور والقطط والكلاب الشاردة في حارة مهجورة،كل الذين كانوا ينادون بعضهم البعض لارتشاف القهوة فجرا بعد الصلاة ولارتشاف الشاي عند العصر لم يتركوا رسالة للاشجار المعمرة التي صمدت قرب الديار ومحتار بأمرها حفيد ايجعل من حطبها وقودا للنار ام يرميها فوق الأسوار.
ما رواها الحفيد يوماً وما انتظرها لتنمو وما عرف قيمة ظلّها في الوطن.
الوطن بلا ظلّ غربة قاسية.
ألديك وطن ام انتماؤك لعصابة او لدولة متحوّلة ومتنقلة بين المحاور؟
كل المصارف خدعتك الا عبّ جدّتك وعبّ والدتك وعبّ زوجتك.
احفظ اثداء نسائك!
أقبح الأصوات صوت مدّ يد زوجتك في جيب سروالك لتعد المال ولتحسم منه ضريبة الطعام والنار والضوء وحتى العتمة وانت ما زلت تجاهد ان تستيقظ من حلم انت فيه الوسيم تقبّل أجمل صبية ظهرت لك في التيك توك عند السهر.
كل الذين كانوا هنا قد رحلوا وبقي وجهك المتعب يواسيك في المرآة انّك ما زلت قادراً على الاغواء في الساحات العامة.
مرآتك الحديثة تخدعك.
حتى مرآتك الحقيقية تركتك و رحلت ولم يبق هنا غير ذكاء اصطناعي يحاول ان يرضيك.
حتى ذكائك الطبيعي يفكر بمغادرتك قريباً كي لا تتذكر و لا تتحسّر ولا تتوجع.
رحل الذين كانوا هنا وهناك همزة الوصل بينك وبين الآخرين لتفرحوا بكعك وبثياب العيد.
رحل الذين كنت تغامر في الحياة لتعود ولتسمع منهم كلمة تهنئة وإطراء.
ما صرت شيخاً فجأة الا بعد ان اختفى الذين كانوا يصفقون ويفرحون لنجاحاتك مجانا بلا مقابل.
افرح بما تبقى من صحتك وما بقي لك من موسيقى ناعمة فإنها كل ثروتك.
احضن وسادتك ونام قبل أن تظهر المسيّرة فوق رأسك وقبل أن تسقط صواريخ فاتح في تل أبيب وقبل أن تغضب القبّة الحديدية وقبل أن ينال من جمجمتك مقلاة داوود .
نم!
ما زلت بخير.
عُلم.
#د_احمد_عياش

المقال يعبر عن رأي الكاتب وليس رأي الموقع، شكرا على المتابعة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى