في حفل يوبيل الخمسين للمحامين
الذين امضوا خمسين عاماً في مزاولة مهنة المحاماة
بيت المحامي
ما الحقُّ؟ أنتِ! اشمخي كالنَسرِ عِبْرَ مَدى
نَمَتْكِ مدرســةٌ شــعَّـتْ هُـــدًى بهُدى
مِنـها الأُلــى لقَّنوا الدنـيا كرامتـها
منكِ الأُلى القولُ هُمْ والآخرونَ صَدى
نعم أيّها الأحبّة،
لم أجد أروع مِن أنْ أبدأ كلمتي، في هذا اليوبيل الخمسينيّ الذهبيّ، إلاّ بمطلعِ قصيدة سعيد عقل، التي قالها احتفاءً بيوبيل نقابة المحامين الماسيّ، لأُؤكّد على ديمومة نقابتنا المختزنة قرناً من النضال دفاعاً عن الحقِّ والحريّة… أليست هي تاريخُ فكرٍ لا يحصره أُفق وطموحٌ، لا تحدّه غاية، وعزيمةٌ، لا تعوقها عقبة ولا تفوقها قدرة أيّاً كانت الأيام عصيبة؟!
فلا عجب أنْ تدعو نِقابة المحامين الى هذا اللقاء، ومع هذه النخبة، على الرغم من أنّ الزمن زمن توتر وقلق، لنرفع سوية الكلمة الراقية، الحلوة، الصافية والمباركة… ولنؤكد على اللقاءات والحوارات والإبتسامات النابعة من القلب…
نعم، احتفالنا باليوبيل الخمسيني للمحامين المكرّمين، ينتزعنا من أجواء هذه الظروف الإستثنائية، ليُعيد إلينا بعض وهج الحياة من خلال الابتهاج بكم، أنتم المكرّمون آباء مهنتنا، الذين لم تتعبوا ولم تستكينوا…
كلامي في هذا الجمع النخبوي، كلماتٌ من القلب الى القلب، أتوجّه بثلاث:
الكلمة الأولى، أوّجهها الى المكّرمين الأعزاء:
زملائي الكبار، أعماراً وأقداراً،
لن أتحدّث عنكم، بل أتحدّث إليكم.
الحديث عنكم، حديث عن الذكريات.
الحديث إليكم، حديث عن المستقبل، وكيف لا؟ وأنتم ما زلتم في عزّ الشباب والعطاء ومستقبلكم مُشرَعٌ على أُفقٍ مُضيءٍ بالأحلام.
أنا منحاز لكرامتكم، وقد سارع البعض بـاتهامي بذلك منذ أسابيع.
لن أُغيّر ولن أتغيّر، لأنّ من حَمل مشعل المحاماة طيلة هذه السنين، لا يستحقّ من نقابته إلا كلّ تقدير وعدم المساومة مطلقاً على كرامته، ولا يستحقّ من الغير إلا كلّ إحترامٍ.
أحــــــــبائي،
أعرف تماماً ما يختلج في نفوسكم اليوم، من مشاعر فرحٍ واعتزازٍ مع بعض الشجن والأسى، فتعجزُ أيُّ ظروفٍ، ولو قاهرة عن تبديل ما تجذّر داخل نفسكم من صلابةٍ وإخلاصٍ وعزمٍ. وكأنَّكم المعنيون بقول المتنبّي:
“وحالات الزمـانِ عليك شتّـى وحالـكَ واحدٌ فـي كلِ حـالِ”
إعرفوا تماماً أنّ نقابتكم، اليوم، فخورة بكم.
فخورة بكم، لأنّكم غُصتم، طيلة خمسين سنة، في الأوراق وهي جافة متجهّمة، تتصفّحون المستندات باحثين في زواياها عن بصيص أملٍ، فلم تتعبوا.
فخورة بكم، لأنّكم تلقّيتم، طيلة خمسين سنة، صدْمات الإجراءات والمحاكمات وتهدّدتكم إطالة أمد المهل بصرامة وقساوة، فلم تتعبوا.
فخورة بكم، لأّنكم لم تجدوا، في بعض الأحيان خلال الخمسين سنة، أنْ تعبكم كوفئ بما يستحقّ معنوياً وماديّاً، فلم تتعبوا.
فخورة بكم لأنّكم رأيتم، في بعض الأحيان خلال الخمسين سنة، العدالة تتهاوى، على أدراجِ قصور العدل المُنهكة، فلم تتعبوا.
فخورة بكم، لأّنكم رأيتم جهدكم، في بعض الأحيان خلال الخمسين سنة، يذهب هدراً مع تدخّلات السياسة الظالمة في القضاء المظلوم، فلم تتعبوا.
وأقول لكم أنّ:
من سكَبَ العرق، لتكون له لقمة الخبز، شريفةً كدمعة عذراء،
من عَفَّ عن ارتكاب، وما استخدم قلمَهُ، في مذكّرة أو لائحة، إلا دفاعاً عن الحقّ والحقيقة،
من كان ذا رأيٍ وموقفٍ وقرارٍ، صادقاً في كلامه وعمله،
من بحث عن قناعته قبل قناعة القاضي،
من لم يُغلق باب مكتبه في وجه طارقٍ، وجسده لم يتعب في مرافقة صاحب حاجة وصوته لا يصمت عن حقّ،
من تجرّأ على الفساد والمفسدين، فوقف بوجههم كالرئبال مُتحدّياً، وما بُحّ له صوت يصدح عالياً طالباً بحقٍّ مهدورٍ، وما أحنى جبيناً، وما عاش في ظلّ، ولا ذِلّ، ولا زلّت به قدم،
من مثلكم كانت هذه صفاته، لا يسقط ولن يسقط بل يستمرّ في النضال في تحصين العدالة والقضاء وبناء الوطن الذي لن نتعب منه ولو تعب منّا العالم.
خمسون سنة من العطاء… وما مليّتم الكفاحَ… إنّكم تمثلون نصف عُمْرِ تاريخ النقابة ووجهاً رائعاً مُشرقاً من وجوه النضال المخلص الحرّ لمهنتنا ومستقبلها يرتكز على ما بنيتموه من مداميكِ قيَمٍ لنقابتنا الدهريّة.
أنتم من لبس الخلودَ، فأنحني خشوعاً، وأقفُ إجلالاً وإكباراً، وأُلقي ألف تحيّة وتحيّة لكم أيّها النسور، وأدعو الجميع للتصفيق، لِمَن كانت أجنحتهم، في كلّ حين، تصفّق تحيّة للبنان.
الكلمة الثانية، أوّجهها الى سعادة النقيب أنطوان قليموس:
سعادة النقيب الحبيب،
أنْ أقف اليوم لأُكرّمك ولأُكرّم زملاء وزميلات أجلاء وأنت المتكلّم بإسمهم وبإسمهنّ ، فهذا مصدر اعتزازٍ لي ، وأنت رمزٌ لكلّ معاني الجُرأةِ والشجاعة والشهامةِ التي تتصفُ بها المحاماة.
فدعني انتهز هذه المناسبة، لأستحضر واحد من مواقفك الخالدة ولأعود الى شهر كانون الأوّل سنة 1997، حين وقفت- وأنت النقيب الثوريّ الهوى والمَراس- الى جانب الحريّات العامة بوجه كلّ أنواع الطغيان والغطرسة، وأعلنت إضراب نقابة المحامين ثلاثة أيام اعتراضاً على قرار الحكومة، آنذاك، بمنع التظاهر، واستنكاراً على توقيف متظاهرين سلميين. فسألتْك السلطة مُفاوضةً، آنذاك، إذا كنت تتراجع عن الإضراب في حال إخلاء سبيل المتظاهرين، فأجبتها:
“موقفي أخذته دفاعاً عن حريّة المعتقد والتعبير بمعزل عن المعني بالتظاهرات. ولن أُعلق الإضراب قبل عودة الحكومة عن قرار منع التظاهرات لأنّه غير دستوري.”
بموقفك المجلّ هذا، أسقطتَ هذا التفاوض المُذّل وربحت المعركتين: أُخلي سبيل المتظاهرين وعادت الحكومة عن قرارها.
فكمْ يعيد التاريخ نفسه، في لبنان، إزاء التوقيفات التعسّفية التي تحصل اليوم بحقّ المتظاهرين السلميين.
واليوم أكتفي بالإشارة، الى ما قاله أحد قضاة التحقيق الفرنسيين، من خمسينيّات القرن الماضي، الى السلطة، حين طلبت منه، الإبقاء على توقيف متظاهرين سلميين:
“Je suis ici pour rendre justice et non pas pour rendre service même à la France”
وغداً لي كلامٌ آخر، بل، موقفٌ !
الكلمة الثالثة، أوّجهها الى كلّ المحاميات والمحامين:
أنتم مدعوون الى تحمّل مسؤولياتٍ إستثنائيّة في هذه الظروف الإستثنائية العصيبة، وأنا معكم.
إرفعوا الصوت عالياً دفاعاً عن الدستور والقانون وحقوق المواطن، وأنا معكم.
حرّكوا أنتم المجتمع، دفاعاً عن بقائه، وأنا معكم.
إقرعوا كلّ يوم جرس الإنذار تحذيراً وخوفاً من هلاك الوطن، وأنا معكم.
لا تتفرّجوا على أولادكم، يحزمون أمتعة الهجرة ويرحلون هرباً من اليأس، وأنا معكم.
ارصدوا الفاسدين أينما وُجدوا وواجهوهم، وأنا معكم.
إنتفضوا على الظُلم أينما أتى، ولا تيأسوا، لأنّ اليأس والإحباط ليسا من صفات شعبٍ كافح وقاوم وبنى عَبر العصور حضارة عريقة بين حضارات العالم، وأنا معكم.
إبقوا أُمناء على تاريخ نقابتكم المجيد وعلى جوهر رسالة المحاماة، تُبدّدون الظُلْمَات، تُقاتلون الظَلامات، تُشْهِرون سيوف الحقّ بوجه كلّ ظالمٍ متعسّفٍ، وأنا معكم.
أَفهِموا الجميع أنّ نقابة المحامين هي رافعة وطن لا رافعة سلطة، وأنا معكم.
أُصرخُوا، كلّ يوم، مع سعيد عقل، وأنا أصرخُ معكم:
” سَوفَ نبقى يَشاءُ أمْ لا يَشاءُ الغير
فاصمُدْ، لبنانُ، ما بِكَ وَهْنُ
سَوفَ نبقى لا بدَّ للأرضِ من حقٍّ
ومَا مِن حَقٍّ، و لم نَبْقَ نَحْنُ ”
والســـــــــــــــــــــــلام.







