بري: لا لوثيقة الإطار ولا للمناطق العازلة ولا للتفريط بأي شبر من جنوب لبنان

كتب أكرم بزي
تأتي ذكرى غياب الإمام موسى في لحظة حرجة تمر بها المنطقة ولبنان بشكل خاص بعد كل هذه المعاناة واحتلال الأراضي اللبنانية من قبل العدو الصهيوني، لتؤكد المؤكد في خطابات وكتابات ومواقف الإمام الصدر منذ خمسينيات القرن الماضي للحظة اختطافه، حيث تتمحور القراءة الأولية لمواقف الرئيس نبيه بري في هذا الخطاب المفصلي حول أبعاد هيكلية تشكل خارطة طريق سياسية ووطنية حاسمة للتعامل مع هذه المرحلة المصيرية.
تنطلق مواقف الرئيس بري من جدار صلب يرفض كليا الطروحات المشبوهة التي يسعى العدوان لفرضها ميدانيا، وفي مقدمتها مساعي اقتطاع “منطقة عازلة” أو إحياء تجربة “الحزام الأمني” تحت أي ذريعة. وتتأكد في هذا السياق معادلة حاسمة مفادها أن جغرافيا الجنوب وحدة متكاملة لا تقبل التجزئة أو الفصل بين شمال الليطاني وجنوبه، حيث تنبع الحماية الحقيقية من التشبث بالأرض. كما يتطرق التقييم إلى خلفيات العدوان الشامل، موضحا أن استهداف الحجر والشرائح البشرية والبنى التحتية لا يستهدف فصيلا بحد ذاته أو مكونا طائفيا بعينه، وإنما يسعى للإطاحة بركائز العيش المشترك والنموذج اللبناني المتنوع الذي يشكل النقيض المباشر للكيان الصهيوني. يضاف إلى ذلك الإعلان الصريح عن إسقاط “اتفاق الإطار” وملاحقه السرية، اعتباراً بأن ممارسة الخيار الديمقراطي في التصدي لهذه الإملاءات تعد واجباً لحماية السيادة، مع التحذير المباشر من خطورة الذهاب إلى أي تفاوض مباشر تحت وطأة النار والمواجهة؛ إذ أثبتت الوقائع الميدانية أن المسارات التفاوضية القسرية لم تجر إلا مزيداً من التدمير والاحتلال وارتقاء الشهداء، وهي أثمان لا تمنح أي طرف غطاء للتنازل عن الحقوق الثابتة.
وأعاد الرئيس بري المطالبة بالتوازن لمفهوم الدولة وركائزها الأساسية في مواجهة تداعيات الحرب، مؤكدا أن مسؤولية إعادة إعمار الجنوب والبلدات المدمرة هي مسؤولية سيادية حصرية تطال الدولة اللبنانية بجميع مؤسساتها وروافدها، ولا يجوز إلقاؤها على عاتق المبادرات الفردية أو التغاضي عنها. بالتوازي مع ذلك، يبرز التمسك المطلق بالمؤسسة العسكرية والجيش اللبناني كعنصر حاسم في صون الاستقرار وحماية السلم الأهلي، مرفوقا برفض قاطع لأي محاولات تشكيك في دوره أو النيل من عقيدته الوطنية. ويحضر اتفاق الطائف والدستور اللبناني ووثيقة الوفاق الوطني كمرجعية ناظمة وحيدة للعمل السياسي وإدارة شؤون البلاد، مع التأكيد على ضرورة استكمال البنود الإصلاحية التي لم تنفذ بعد، وتحذير شديد اللهجة من التعالي على الدستور أو الترويج لطروحات التقسيم والفيدرالية، إذ يصف الخطاب هذه الطروحات بالمغامرة غير المحسوبة التي تهدد الكيان اللبناني في وجوده ولا تجد لها أي مسوغ في النص الدستوري الجامع. يكتمل هذا المسار الوطني بالتمسك بالحق القانوني عبر مقاضاة الاحتلال الإسرائيلي في المحافل الدولية وملاحقته قضائيا على الجرائم المرتكبة بحق المدنيين وتدمير المقومات الحياتية للبنان.
وجدد الخطاب التمسك بالعقيدة المبدئية التي أرستها حركة أمل، والتي تتعاطى مع القضية بوصفها قضية وطنية وإنسانية عابرة للمساومات والصفقات، تأبى الخضوع لأي مقايضة أو تسوية سياسية، وتستعصي على السقوط بمرور الزمن، مع ملاحقة الجناة والضغط على كافة الأطراف المعنية لكشف كامل الحقيقة وإعادة الحق لأهله. وتتكامل هذه الرؤية بالبعد الاجتماعي والتضامني الذي يبرز أصالة المجتمع اللبناني في أحلك الظروف، من خلال توجيه تحية اعتزاز وتقدير لكافة المواطنين في مختلف المناطق والمحافظات الذين فتحوا منازلهم ومؤسساتهم لاستقبال وإيواء العائلات النازحة من قرى المواجهة في الجنوب، مجسدين صورة مشرفة للالتزام الأخلاقي والوحدة الوطنية. ولا يغفل الخطاب تثمين المواقف الشجاعة للدول الشقيقة والصديقة التي وقفت إلى جانب لبنان ودعمته بالمساعدات والمواقف السياسية للعبور من هذه الأزمة الوجودية.
إن هذا الطرح الشامل يعيد وصل الحاضر بمرجعياته التاريخية، ويرسم خطا بيانيا واضحا يزاوج بين التمسك بحق الدفاع عن الأرض والكرامة الوطنية، وبين الالتزام بمرجعية الدولة ومؤسساتها ودستورها، في مواجهة محاولات التفتيت والضغط العسكري.



