
بعد الفشل الكبير في أصلاح الواقع المالي والمصرفي والأقتصادي من خلال النظام السياسي الحاكم الحالي نظرا” لترابطه بمصالح شخصانية ، حزبية ، أقليمية ، ودولية ونظرا” لصعوبة التحرك من خلاله وبيروقراطيته وحاجته الى توافق دائم في كل الأمور حتى يمكن السير في أي حل ، ونظرا” لتباعد الأفكار والحلول بين الأطراف اللبنانية فأن الحل المصرفي والأقتصادي للخروج من الأزمة هو شبه مستحيل ، كما أن الحل السياسي من ناحية أخرى لا يمكن تحقيقه بوجود خطوط حمر كثيرة وارتباط معظم الأطراف اللبنانيين بالخارج وبمحاور أقليمية ودولية تجعل عملية التنازل لبعض الأطراف شبه مستحيلة ، ونظرا” لعدم رغبة بعض الأطراف للتنازل عن الأمتيازات التي لا زالوا يتمتعون بها وأن كانت هذه الأمتيازات تستفيد منها فقط الطبقات السياسية الحاكمة وحاشيتها دون القواعد الشعبية ، ورغم أن الأحتفاظ بهذه الأمتيازات يعمق الأزمة ويزيد من الفساد ويمنع الأصلاح ويدفع بالتالي اللبنانيين كافة ومن ضمنهم هذه القواعد الشعبية ألى الأستسلام والهجرة فأنهم لن يتخلوا عن أمتيازاتهم ويفضلون الهجرة على التسليم بالعدالة والمساوات بين اللبنانيين والتحول نحو العلمنة والنظام المدني ونظام المواطنة الذي يساوي بين جميع اللبنانيين .
الجميع يعلم في لبنان أن النظام السياسي الحالي لا يمكن أن يتحقق من خلاله أي محاربة للفساد ، ولا يمكن من خلاله أن يتحقق أي محاسبة لأي طرف لأنه من السهل جدا” تحويل أي ملف فساد الى ملف طائفي بامتياز ، وقد شهدنا على تسويات كبيرة لملفات فساد جرى التغاضي عنها وأغلاقها في الماضي بحجة أن لبنان محكوم بالتسويات وأن لبنان لا يحتمل خلافات طائفية ، وأنه لا يمكن أستهداف أي زعيم سياسي من خلال فتح ملفات فساده وأن طائفة هذا الزعيم لن تتركه لوحده وهذا واقع لا يمكن الهروب منه ، فالنظام الطائفي خلق خوف عند كل الطوائف جعلها أسيرة هذا الخوف الذي يجبرها على التكتل بكل الأحوال حتى على الباطل ، والمضحك أن جميع هذه الطوائف في لبنان تهاجم تصرفات بعض العشائر غير القانونية وهي في نفس الوقت تمارس اللاأخلاقية السياسية في ممارساتها اليومية بدعمها لزعيمها وحاشيته بغض النظر عن تصرفاته أكانت قانونية وأخلاقية أم لا .
أذا” هذا الصريخ الذي سمعناه أخيرا” هو الصرخة الأخيرة للحفاظ على الأمتيازات وعدم الرضوخ للأصلاح السياسي والأقتصادي وهي صرخة طبيعية وسنستمر في سماعها في الأيام القادمة حتى يحصل الأنهيار الكبير ، وليس هذا الأنهيار بسبب هذه الصرخات ولكن كون أن هذه الصرخات لن تجدي نفعا” ولن تصلح وضعا” وبالتالي فأن الأزمة ستستمر حتى وقوع هذا الأنهيار .
أما الأمثلة في الأقتصاد على عدم أمكانية الحل فكثيرة نطرح بعض الأمثلة عليها :
– الكهرباء
عجز الكهرباء مستمر في التزايد وقد كلف الخزينة اللبنانية مع الفوائد منذ العام 1991 أكثر من 40 مليار دولار والحل لن يكون بالأصلاح فيها ، ولا بزيادة الأنتاج ، ولا بتحويل العمل فيها الى الغاز بدل المازوت لأنه بكل الأحوال فأن العجز سيبقى وألا سيتم رفع التعرفة بشكل كبير على المواطن اللبناني لتغطية الفساد الأداري ، الهدرالتقني ، عدم تحصيل الكهرباء من المخيمات ، عدم دفع الوزارات لفواتيرها ، والكلفة المرتفعة نتيجة لأستعمال مواد غير مناسبة.
الحل الأوحد للكهرباء هو الخصخصة الكاملة لنقل هذا العبئ عن كاهل الدولة والخزينة ورميه على القطاع الخاص لأنه الأنجع في معالجة هذه المشاكل ، بالتأكيد هناك سياسيين ونقابيين مقربين من هذه الطبقة السياسية سيرفضون ذلك بحجة عدم القبول ببيع القطاع العام في الظاهر لكن رفضهم لعدم البيع هو بسبب بسيط لأنه يحرمهم من الأمتيازات الكبيرة التي يحصلون عليها اليوم من خلال تملك الدولة لهذا القطاع وتغطية العجز من الخزينة . حل الخصخصة لن يمر بكل الأحوال لأن لهذه الطبقة السياسية والنقابات التابعة لها قدرة على تجييش الناس والحاشية وبالتالي أنزالهم للشارع للمطالبة بعد الخصخصة بالرغم من أن الوضع الحالي ليس في مصلحتهم .
– صندوق الضمان
بدأ صندوق الضمان يراكم العجز خاصة في فرع المرض والأمومة ، وبدأ باستعمال موجودات فرع نهاية الخدمة ، وهذا العجز سيستمر بسبب الهدر والفساد الذي يعاني منه هذا الصندوق والكلفة الأدارية المرتفعة وحشو الموظفين ومطالب نقابات هذا الصندوق والرواتب والعطاءات المرتفعة ، هذا الواقع لا يمكن أن يواجهه حزب أو طبقة سياسية ولا يمكن مواجهته ألا عبر القطاع الخاص الذي يمكن أن يعيد التوازن لهذا الصندوق ، أما خسارة موجودات فرع نهاية الخدمة فهو كارثة الكوارث بسبب عدم أهلية الأدارة المالية لهذا الصندوق وعدم توزيع مخاطر التوظيف بشكل مناسب مما أفقدها أكثر من 80 بالمئة من قيمة هذه الموجودات . لكن عملية الخصخصة تسطدم بسيطرة حزب على هذا المرفق الذي يرفض عملية الخصخصة لأنه يعتبر هذا المرفق من حصته .
– مرفأ بيروت
هذا المرفأ والذي من المفترض أن يضخ أموال ضخمة على الخزينة لم يستطع أن يطور نفسه بنفسه دون الأعتماد على موازنة الدولة اللبنانية ، هذا المرفق والذي من المفترض أن يعمل بعقلية القطاع الخاص 24/24 في اليوم يعمل بعقلية القطاع العام خمسة ساعات في اليوم فكيف سيتمكن من أن يكون مرفأ ترانزيت للمنطقة ، التباطؤ الكبير في خروج البضائع وتخليصها بشكل كبير هو سمة مرفأ بيروت وهذا الموضوع لا يمكن أن يحله ألا القطاع الخاص . لكن هذا الأمر مستحيل لأنه هناك حزب يسيطر على المرفق منذ العام 1991 ويرفض حتى التفكير بخصخصة هذا المرفق والذي يعتبر بالنسبة له الدجاجة التي تبيض ذهبا” .
ومثل هذه الأمثلة كثيرة منها كازينو لبنان ، الريجيه ، المستشفيات الحكومية ، شركات الخليوي ، مطار بيروت ، والمرافئ لأخرى .
لهذه الأسباب فأن الأصلاح شبه مستحيل ، وبناءا” على هذه الصعوبة في الأصلاح السياسي والمالي والأقتصادي فأن هناك حتمية وضرورة للأنهيار أما السبب الأساسي لهذا الأنهيار فهو أن عدم الأصلاح سيؤدي ألى أرتفاع مستمر في سعر صرف الدولار وبالمقابل الأنخفاض المستمر في أحتياطي العملات الصعبة لدى مصرف لبنان وهذا الأمر يحتم وصولنا الى نقطة الصفر وأيقاف الدعم وأرتفاع الأسعار بشكل جنوني ومنها النقل والذي بدأ برفع تعرفته من قبل النقابات التي تنظم عملها ، هذا الأمر سيؤدي الى رفع تكلفة النقل على الموظفين في القطاعين العام والخاص ، فكيف سيقوم هذا الموظف بتأمين هذه الكلفة التي ستتضاعف بشكل كبير يمكن أن تصل الى حدود كامل الراتب فكيف سيلتحق عندها هؤلاء الموظفين سواء العسكريين أو المدنيين بمراكز أعمالهم ، ربما يكون هذا السبب هو الأساس في أي أنهيار للواقع الحالي والذي سيوقف العمل في كل مؤسسات الدولة وفي معظم مؤسسات القطاع الخاص .
الأنهيار السلمي :
الأمر الوحيد والذي يمكن أن ينقذ لبنان ويؤخر هذا الأنهيار الغير سلمي والتحول الى الأنهيار السلمي هو أعتماد الأجراءات التالية :
– فرض ضريبة البنية التحتية على كل المساعدات النقدية والعينية القادمة لأي مقيم على الأراضي اللبنانية وبمعدل 25 % .
– فرض سحب التحويلات القادمة من الخارج سواء للبنانيين أو لغير اللبنانيين بالليرة اللبنانية فقط وبسعر السوق الفعلي وأيداع هذه العملات لدى مصرف لبنان .
– رفع الدعم عن كل السلع .
– رفع سعر صرف الدولار الرسمي الى ستة ألاف ليرة لبنانية واعتماده في جباية الضرائب والرسوم ورفعه تدريجيا” وبشكل شهري .
– رفع الحد الأدنى للأجور الى ما يعادل مئة دولار اليوم بسعر السوق مع تقييمه بشكل شهري وفقا” لتغير سعر الصرف الرسمي .
هذه الأجراءات يمكن أن تؤمن أستقرارا” الى فترة معقولة وتمويلا” للسلع الضرورية للأقتصاد اللبناني والمواطن اللبناني بانتظار الحل النهائي وعدم الوقوع في الأنهيار غير السلمي .







