
.االحب بعد الزواج ونسف المسلمات
الحب يأتي بعد الزواج برأي الأديب التركي أورهان باموق في رواية “إسمي أحمر”. باموق الحائز جائزة نوبل للآداب يشرح بأن العشق المتأجج قبل الزواج ينطفئ بعد الزواج ولا يبقى سوى مكان فارغ يدعو إلى الهمّ، ويؤكد أن الحب الذي يأتي بعد الزواج ينتهي أيضاً ولكن السعادة تحل مكانه.
اللافت أنه في العام 2006 عندما نال أورهان باموق جائزة نوبل للآداب اعتبر كثيرون أن أدونيس، الذي رشّح للجائزة في العام نفسه، كان أحق منه في نيلها. ولعلهم على حق. ولكن في موضوع الحب والزواج وما يأتي أولاً منهما، لا يبدو أدونيس في موضع منافسة طالما أنه وكما يروي تزوّج خالدة في الحزب أي زواجاً حزبياً قبل إتمام الزواج الرسمي لاحقاً.
ولكن أدونيس يقول الكثير أيضاً في الحب ومنه أن الحب يحتاج الى الصداقة، لأنها تحضن الحب. لذلك، العاشقان يجب أن يكونا صديقين، يتصارحان ويتخاصمان ويزدادان حباً في الخصومة والحب.
في الحب كما في بناء الأوطان، الخصام والمصارحة يولدان الحب ولعلّ تاريخنا الحديث فيه ما يشهد على صحة قول أدونيس. فلبنان منذ ولادته، أو إعلانه سنة 1920، لا فرق، ما يزال الخصام فيه وعليه مستعراً وحين يهدأ على تسوية عابرة يعود للاشتعال عند أصغر أزمة. لكنه بعد مرور قرن ونيف لم يعد الانتماء إليه موضع خلاف كما كان في البداية. فالجماعات التي عملت على تحقيقه وحاربت للإبقاء عليه، كما الجماعات التي رفضته في البداية وأُدخلت فيه بشيء من الإكراه، الجميع، أصبح لاحقاً متعلقاً بهذا الوطن وانتهى الأمر إلى الإقرار بأنه وطن نهائي لجميع أبنائه، بما يشبه الحب الذي يأتي بعد الزواج.
نعم لقد ارتكب المؤسسون خطيئة تحميل الكيان الوليد جميع العُقد والتعقيدات والمآسي التي عاشها الجبل أو لبنان الصغير في القرن الذي سبق لبنان الكبير. فكان أن تمسكوا بالتوزيع الطائفي للمناصب في إدارة شؤون الدولة، على أن يكون الأمر حلاً موقتاً. ولكن على عادة “المؤقت” في لبنان الذي يتحول إلى دائم، بقيت الطائفية السياسية وتجذرت وتحولت مشكلة قائمة بذاتها.
التخلص من الطائفية السياسية، والتوجه لإقرار “الدولة المدنية”، أو العلمانية أو أي شكل من أشكال الحكم والإدارة غير القائمة على التوزيع الطائفي، أصبح ملحّاً ولكن شرط إحلال ضمانات للتنوع المجتمعي الذي لا يحتمل الظلم أو الطغيان. فقد أصبح من الواجب اليوم التفكير في كيفية العيش معاً وإيجاد طرق جديدة لإدارة سليمة للشأن العام تُخرج البلد من أزماته العميقة وتؤسس لاستقرار دائم. على أن ديمومة الاستقرار المطلوبة لا تتحقق في منطق التسويات الظرفية التي لطالما ساد منطقها عند كل أزمة من أزمات المئة العام.
برزت طروحات واقتراحات كثيرة بعد 17 تشرين وأبدع الكثير منها في وضع التصورات المستقبلية، ولكن أغلبها بقي دائراً في إطار المنظومات الفكرية التي تشكل الخلفيات التي تكونت فيها كل جماعة من دون الأخذ بشكل جديّ بما يراه الآخرون. ولكن الثابت الأهم والذي يعول عليه في ما يطرح هو التوجه الطامح الى تغيير جذري في الأمور. إذ يبدو أن استعداد الجيل الشاب كبير إلى نسف #المسلمات القائمة وفي طليعتها النظام القائم على توزيع طائفي للسلطة، وقد كانت لافتةً جداً تجربة النادي العلماني الذي خاض الانتخابات الطالبية في الجامعة اليسوعية وفاز فيها. إن حب هؤلاء الشباب للبنان حرّك ملكات الإبداع فيهم، وهذه التجربة تبعث على الأمل كلما اقتربت الانتخابات.
النهار : 28-5-2021
زياد شبيب







