
المطلوب الآن هو تجاوز مرحلة قصف المفاعلات، والانتقال إلى تفكير استراتيجي هادئ وموجه للمستقبل، بعيدًا عن الخطاب السائد في الحروب، وخاصةً لدى محور المقاومة. المطلوب هو تقديم رؤية من طراز مختلف تمامًا، تتناسب مع طبيعة الحروب الإقليمية والمتغيرات الدولية.
في هذا السياق، من المأمول أن نشهد حراكًا عربيًا، إلى جانب روسيا والصين، لوقف الحرب بأي طريقة. فإنَّ بقاء إيران قوية يمثل عامل توازن أساسي تستفيد منه كافة دول آسيا، وخاصة الصين التي تُعتبر مستهدفة مباشرة من أمريكا. وأنا هنا لا أكتب لإيران، فهي تملك من العقول والنخب ما يجعلها أدرى بما تريده وتفعله، لكنني أكتب للرأي العام الذي يقرأ العربية.
لا أعتقد أن إيران أو أيًّا من حلفائها سيقدم على عمل عسكري مباشر ضد الولايات المتحدة، لأن مثل هذه الخطوة ستكون بمثابة انتحار جيوسياسي يدفع بالمنطقة إلى حافة الانفجار الشامل.
لانه يكفي الدخول الامريكي على خط الحرب ضد ايران لادراك حجم ازمة اسرائيل العسكرية والسياسية. وضعفها وهشاشتها بالمنطقة.
إن الهدف اليوم ليس تحقيق انتصار على أمريكا أو حتى إضعافها، كون هذا الامر من المستحيل في الوقت الراهن وكما ايران ضرورة اقليمية بنظر النظام العالمي، فان امريكا ضرورة عالمية في العالم الى ان تبرز بدائل لا تعرض الكرة الارضية للفناء.
كما ان معركة إيران اليوم ليست مع امريكا بل هي ضد اسرائيل التي اعتدت على ايران، ويجب أن تُحصر المعركة في الكيان الإسرائيلي، ليكون هو من يصرخ أولاً ويطلب وقف الحرب.
لذلك من غير المجدي أن ينشغل إعلام محور المقاومة بالتركيز على أمريكا، أو حتى بذكرها في سياق الحرب. فمثل هذا التركيز، وإن بدا استعراضًا للقوة، قد يحمل أبعادًا ثقافية وسياسية تؤدي إلى توسيع رقعة الصراع بشكل غير محسوب، وتُخرج الضربة عن إطارها الجغرافي المحدود، مما يعيق أي فرصة لوقف الحرب عبر المسار السياسي.
وربما تكون إيران نفسها قد تأثرت بتحليلات معظم محللي المحور، الذين كانوا يعتقدون أن ترامب سيحرر فلسطين، ويزيل إسرائيل، ويحارب “الدولة العميقة” في بلاده، وأنه على خصام مع نتنياهو ويفضل التفاوض مع إيران على حساب إسرائيل.
في علم التحليل السياسي، لا يمكن القول إن هؤلاء المحللين قد أخطأوا، بقدر ما أن تقديراتهم تأثرت بالاعتماد المفرط على فرضيات مثالية لم تُختبَر أمام الواقع المتقلب.
لذلك، على إيران أن تُفعّل باب المفاوضات بأقصى طاقاتها وبكل الوسائل، دون أن تتخلى عن وتيرة الرد المنهجي على الكيان الإسرائيلي، الذي بدأ العدوان بذريعة أن إيران تشكّل تهديدًا وجوديًا. وغدًا، قد تعتدي إسرائيل على أي دولة عربية بحجة امتلاكها جيشًا قويًا أو أسلحة تُخلّ بالتوازن.
ولنكن واضحين: لا أستبعد أن تكون الحرب الحالية ضد إيران مقدمة سياسية لإحراجها وتحييدها عن دعم أي جيش عربي قد يكون هدفًا لضربة إسرائيلية في المستقبل القريب.
تمامًا كما نجحت إسرائيل سابقًا في تصوير الشيعة بأنهم “أخطأوا” في دفاعهم عن فلسطين، بينما التزم مئات الملايين من العرب الصمت، ها هي اليوم تُعيد الكرّة مع إيران، وتقول لها باختصار: “لا تتدخلي للدفاع عن العرب إذا اعتدينا عليهم، فهم لم يدافعوا عنكِ أصلاً”. هذا المنطق الخبيث يجب مواجهته بالوعي السياسي، لا بالانفعال العسكري.
أما الدخول في مواجهة مباشرة مع أمريكا، فسيكون بمثابة هدية مجانية لإسرائيل التي تسعى لتوريط إيران في صراع أكبر من جبهتها الأصلية. وليس عيبًا الاعتراف بقوة أمريكا، فالعالم كله يعترف بذلك. والاعتراف بالقوة لا يعني الخضوع، بل يعني إدارة الصراع بذكاء.
في المحصلة: الضغط على إسرائيل هو بحد ذاته ضغط على أمريكا. وإجبار إسرائيل على وقف الحرب هو نصر لإيران، لأنه سيعني أن واشنطن نفسها قد توقفت. عندها، ستكون إيران قد صمدت، وانتزعت نصرًا دون أن تنكسر، وفتحت لنفسها أفقًا جديدًا أكثر قوة واتساعًا.
لذلك، يجب أن يستمر التركيز على الجبهة الحالية، دون الالتفات المباشر لما تقوم به أمريكا. فالولايات المتحدة مارست هذا النوع من الضربات لعقود في أفغانستان والعراق وسوريا، ورغم تأثيرها، فإنها لم تغيّر المعادلات الاستراتيجية الكبرى. تبقى تلك الضربات أدوات تكتيكية تنتهي مفاعيلها بانتهاء الحرب.
إن الغاية الأسمى هي أن تبقى إيران قوية، متماسكة، وماضية في تطوير ذاتها، لأنها تستحق أن تكون قوة فاعلة ومستقلة اقتصاديًا واستراتيجيًا. فإيران تملك مقومات هذه القوة: شعب عظيم، وثروات طبيعية هائلة، ومكانة محترمة بين الأمم. إنها قوة دولية صاعدة، لا يمكن لأي قوة في العالم، مهما عظمت، أن تنال من جوهرها.
المقال يعبر عن رأي الكاتب وليس رأي الموقع، شكرا على المتابعة.






