اقلام حرةمقالات

“الدبلوماسية المزيفة”؛ ترامب يخدع العالم

قبل بدء الفترة الرئاسية الجديدة لدونالد ترامب، رأى العديد من المراقبين من خلال تصريحات ترامب أنهم سيشهدون سياسات مختلفة منه في ولايته الثانية. لقد نجحت الوعود الانتخابية الكبيرة مثل “إنهاء كل الحروب العالمية”، مما أعاد ترامب إلى البيت الأبيض كسياسي براغماتي؛ ولكن لم يمض وقت طويل قبل أن تتحول الآمال إلى يأس، وتسببت بعض تصرفات الرئيس الأميركي في إثارة عدم الثقة والخوف من المستقبل. وعاد إلى أسلوب “تخويف العالم بالتغريدات”، وبدلاً من التحدث كسياسي وفي صورة لقاءات رسمية، ظهر بدور دبلوماسي مزيف.

ويمكن القول إن مصطلح “الدبلوماسية الزائفة” في عالم اليوم هو الأكثر تلاؤما لترامب. يستخدم هذا المصطلح عندما يبدو أن دولة ما حريصة على التفاوض أو الاتفاق أو تحسين العلاقات الدولية، ولكنها في الممارسة العملية تسعى إلى تحقيق إجراءات أو أهداف فعلية مختلفة أو متناقضة مع سياستها المعلنة. بعد أربع سنوات من ممارسة الخيانة والعداء في العلاقات العالمية، استخدم ترامب هذا النوع من الدبلوماسية، مستخدما الأكاذيب والخداع أو المعلومات المضللة لتعزيز مصالحه الخاصة وإضعاف موقف الطرف الآخر. حيث تعلم العالم أيضًا كيفية التكيف مع هذا النوع من السياسة والمضي قدمًا.

ترامب هدد فجأة بوقف إطلاق النار في غزة، الذي تم التوصل إليه بعد جهود كبيرة من مصر وقطر، بخطة غير إنسانية لتهجير الفلسطينيين. وقوض فكرة الاتفاق مع إيران، الذي كان من المفترض أن يتقدم بسرعة كبيرة، بمواقف غير مسؤولة ومزيد من العقوبات؛ وعلاوة على ذلك، وبالتزامن مع سياسات نتنياهو العدوانية، فقد أدت هذه السياسة إلى دفع إيران إلى حافة إنتاج الأسلحة النووية كاستراتيجية دفاعية أخيرة. كما تخلى عن أوكرانيا ويسعى إلى مقايضة نصف أراضيها مع روسيا! لقد استخدم ترامب تكتيكات غامضة أو نصف حقائق لتحقيق أهدافه الجيوسياسية أو الاستراتيجية، ولكن بدلاً من السلام، دق ناقوس الخطر لمزيد من الحروب.

إن الرئيس الأميركي لا يتخصص فقط في تصعيد الأعمال العدائية والصراعات، بل أثبت أيضاً أنه قادر بسهولة على تحويل حلفائه وأصدقائه إلى خصوم. إن الخطة التي اقترحها لشعب غزة، والتي أهملت كل الجهود العالمية لإقامة دولة فلسطينية، تسببت قبل كل شيء في عدم ثقة الدول العربية بأميركا. لقد وصل دعم ترامب لسياسات الإبادة الجماعية التي تنتهجها إسرائيل ضد شعب غزة إلى حد أن أصبح يشكل تهديدا وجوديا لحلفاء واشنطن، بما في ذلك المملكة العربية السعودية والأردن. وعلى عكس وسائل الإعلام التي تؤمن بممارسة أقصى قدر من الضغط على طهران، فإن سياسات ترامب الحالية هي شكل من أشكال ممارسة أقصى قدر من الضغط على العالم أجمع.

واليوم، لم يعد أي مكان في العالم تقريباً في مأمن من قرارات ترامب المثيرة للجدل والمزعجة. إن إعادة تسمية خليج المكسيك أو ضم كندا إلى الولايات المتحدة أو غرينلاند هي أمثلة على أوهامه؛ ورغم أن بعض المراقبين يعتقدون أن هذه تهديدات مؤقتة، فإن إثارة مثل هذه الأفكار لا تزال تشكل خروجاً عن التقليد. لقد شمل نهج ترامب في المفاوضات التجارية، وخاصة مع دول مثل الصين، استخدام التهديدات بالرسوم الجمركية والعقوبات، ثم إعادة التفاوض، والتي بدلاً من التوصل إلى اتفاق حقيقي، تحولت إلى خلق ضغوط تكتيكية لجذب انتباه العالم.

لا تستطيع الولايات المتحدة إدارة النظام الدولي من خلال رئاسته، من خلال التغريدات المفاجئة والسياسات المبنية على إرباك أو خداع الدبلوماسيين وزعماء العالم. يمكن اعتبار ذلك بمثابة استراتيجية للسيطرة على المفاوضات أو إخفاء النوايا الحقيقية؛ لكن النتيجة هي انعدام الثقة والصراع في العلاقات العالمية. وتُعرف هذه التكتيكات باسم “الحرب الخفية”، وتُوصف بأنها أدوات لاستعادة القوة الأميركية على الساحة الدولية، ولكنها أعطت نتائج عكسية. العالم أصبح أقل أمانا مع ترامب.

فاطمة الصياحي 

خبيرة العلاقات الدولية

المقال يعبر عن رأي الكاتب وليس رأي الموقع. شكرا على المتابعة. 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى