اقلام حرة

الفساد لا يمثل السنّة في لبنان ولا الشيعة في العراق

الفساد لا يمثل السنّة في لبنان ولا الشيعة في العراق
جهاد سعد
كنت صغيرا عندما دخل أخي الكبير بعيون دامعة آتيا من مصر سنة 1970، يقول “مات عبد الناصر”، ودخل المنزل في مجلس عزاء حقيقي وتنافسنا على جريدة المصور المصرية التي نشرت مشهد الملايين يشيعون القائد الكبير. وفي اليوم نفسه خرجنا إلى ساحة عين المريسة للمشاركة في جنازة رمزية نظمها الناصريون آنذاك. وبعد سنوات قليلة عندما أطلق الإمام موسى الصدر “أفواج المقاومة اللبنانية أمل” تعرفنا على “أبو أيمن” ضابط من المناضلين الفلسطينيين يرافق الدكتور مصطفى شمران في سيارة ما رسيدس خضراء تسير على الديزل… ثم بدأت التدريبات وأخذونا إلى واد في قريتنا حيث كان الضابط المدرب فلسطينياً أيضا. ومنذ ذلك الحين كانت استضافة مناضل فلسطيني في بيتنا المتواضع لها هالة العبادة.
نشأنا في بيروت نصلي في مساجدها ونسمع من علماء إخواننا السنة دروس الجهاد والتضحية ومقاومة الإستعمار، تربيتنا “الصدراوية ” كانت بعيدة كل البعد عن المذهبية، سمعنا خطباء المساجد يتغنون بالعهدة العمرية وتسامح الخليفة الثاني مع النصارى ورفضه الصلاة في الكنيسة حتى لا تصبح سنة عند المسلمين، ولتبقى للمسيحيين كنائسهم، وصلاح الدين الذي قاوم غزو “الفرنجة” قالها لي استاذي الدكتور محمد منير سعد الدين (رحمه الله) في كلية الإمام الاوزاعي وهو يشرف على بحثي في التربية الإسلامية، قال: علماءنا لايقولون غزوصليبي، لان المسيحي المشرقي شارك في المقاومة، بل هو غزو غربي ولذلك المصطلح الأفضل هو غزو “الفرنجة”. أما عدل الرسول صلى الله عليه وآله و الخلفاء الراشدين، ووقوفهم إلى جانب الضعفاء والمظلومين ، والنقد الجارح الذي كانت توجهه الأمة الحية للحاكم مهما علا شأنه، حتى في توزيع الغنائم، وتجاوب الصحابة مع هذا النقد نزولا عند رغبة الناس فكان ديوان التاريخ ومدرسة المثل العليا والقيم.
لا أتذكر أني سمعت لغة مذهبية في السبعينيات إلا من عراب كامب دايفيد ، أنور السادات، الذي احتضن شاه إيران، وبدأ ببناء جدار بين مصر عبد الناصر وإيران الثورة، ليبني جسوراً مع أميركا وإسرائيل. ورغم ذلك كانت صور الإمام الخميني تزين صحف القومية العربية على اختلاف اتجاهاتها في العالم العربي.
السعار المذهبي اشتعل منذ تلك الأيام في الثمانينيات، وكانت تقوده بوضوح دول خليجية، فهمنا فيما بعد وقبل أن تظهر مقولة تصدير الثورة الإيرانية، أن المطلوب أميركيا هو استخدام الإسلام السلفي المتشدد ضد “المد الشيعي” لرفع الجدار المذهبي ومنع العرب السنة من الاستفادة من تجربة الثورة الإسلامية في إيران. اللغة المذهبية المسعورة كانت تسير جنبا إلى جنب مع اتفاق كامب ديفيد، وأوسلوا ووادي عربة. وبينما كان التسنن السياسي روح القومية العربية المعادية للاستعمار، والتسامح الرفيع مع الأديان الأخرى، أصبح معيار التدين السني هو العداء المذهبي للشيعة . قالها محمد بن سلمان صراحة : “أميركا طلبت منا نشر الوهابية في وجه الشيوعية” ، والأمر نفسه تم تطبيقه في وجه التشيع. عندها تذكرت أغاني الشيخ إمام عن “الإسلام الأميركاني”. ولا زلت حتى الآن أعجز عن ايجاد صلة بين إسلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وإسلام كيسنجر ونيكسون وبوش ورامسفيلد وديك تشيني وكلينتون وأوباما وترامب ومعهد راند…وبلغة المصريين الطريفة قال أحد قادة الجهاد في أفغانستان: “هي أمريكا تحجبت”.
بالعودة إلى ما نحن فيه: طبقة فاسدة من السياسيين المتأمركين تدعي اليوم تمثيل التسنن السياسي في لبنان، تقابلها في العراق طبقة فاسدة من السياسيين المتأمركين تدعي تمثيل التشيع السياسي في العراق، وعلى أيدي هذه الطبقة المشتركة في التحالف مع أميركا كان خراب العراق ولبنان. والرد الطبيعي على هؤلاء وأؤلئك ، أن الفساد لايمثل السنة في لبنان، ولا الشيعة في العراق. يوجد في كلا البلدين بل في العالم الإسلامي كله “طائفة الفاسدين” التي تنهب أموال الناس، برعاية حثيثة من السيد الأميركي لمنعنا من استثمار مواردنا، والاستيلاء على نفطنا وبحرنا وبرنا وجونا، فيما تستعر بيننا حروب داحس والغبراء.
ما نعرفه حتى الآن عن الدكتور حسان دياب هو أنه دكتور في علوم الكمبيوتر شغل منصب وزير سابق، نظيف الكف لم تسجل عليه تجاوزات ، واستاذ في الجامعة الأميركية في بيروت، ومساهم في تأسيس جامعات خارج لبنان، للوهلة الأولى هذا يلبي شرط التكنوقراط واختصاصه يسمح له بالنهوض بالإدارة في بلد نخر الفساد إدارته، ومن الواضح أن وجوه جديدة شابة سوف تشغل الوزارات الأساسية إذا سمح له بتشكيل حكومة. وهذا ينسجم مع مطالب الحراك المدني النظيف من تدخلات الأحزاب والسفارات.
حول الدكتور دياب يمكن أن يتشكل مزيج فريد وغير مسبوق من “كوادر البناء” بغض النظر عن انتماءاتهم الطائفية والمناطقية، هذه الكوادر يمكنها أن تكون نواة “حركة الدولة العادلة” ، حركة تحرر البلد من عقود عجاف من الفساد والمحسوبية والزبائنية السياسية. تستند إلى قاعدة شعبية نواتها روح الحراك المدني مع الضمير الوطني، تنشر ثقافة جديدة هي أقرب إلى العلم وروح القانون من سخافات الجهل والطائفية والمذهبية….قوامها التالي:
1_ عندما يعين مسؤول رفيع في الدولة فإنه يمثل مصالح المواطنين فيها، لا هو ممثل لطائفة ولا لحزب. وبالتالي فهو بحاجة لدعم وطني لا طائفي ولا حزبي.
2_ الإصرار على مصطلح “حقوق الطائفة” كان دائما يعني التسلح بالطائفة للدفاع عن مصالح اشخاص بعينهم، وبالتالي اختزال حقوق الطائفة السنية الكريمة بالإصرار على تصدي أشخاص ثبت فشلهم وفسادهم إهانة للطائفة والبلد…. وإذا كان هناك إصرار على تسنن سياسي فليكن سنة الرسول صلى الله عليه وآله، وخلفائه الراشدين، وأطهار وشرفاء القوميين العرب كما عرفناهم. وهذا “التسنن” كما خبرناه وتعلمنا منه ضمانة للدين والطائفة والوطن.
3_ أميركا هي سبب الأزمة الإقتصادية والمعيشية في البلاد، نفذت الخطة بأدواتها، وركبت موجة الحراك بأحزابها، وتضغط لسرقة النفط والغاز لحسابها وحساب الكيان الصهيوني في ذروة أزمتنا، وتمارس أبشع أنواع اللصوصية والإبتزاز في لحظة حرجة صنعت فيها مآسينا وتريد أن تستثمر حتى في أوجاعنا التي سببتها. ولكنها في النهاية دولة براغماتية ستتراجع إذا لمست التفافا وطنيا حول مشروع الدولة، وجدية في مواجهة الفساد، وتمسكاً بأسباب القوة.
4_ الأزمة مصطنعة فنحن دولة صغيرة كل الكتلة النقدية فيها أقل من راسمال شركة متعددة الجنسيات، وبالتالي فإن التهويل بالويل والثبور وعظائم الأمور جزء من الضغط النفسي والسياسي لتحقيق مطالب الأميركي المحشور في سنة الإنتخابات المقبلة. المطلوب بالتالي جرأة في اتخاذ قرارات استراتيجية تنسجم مع مسار دولي بدأ يتبلور بعيدا عن سلطة الدولار والفيل والحمار.
يبقى فقط أن نفكر بعيدا عن عصبياتنا الضيقة، فهذا البلد يوشك أن يولد من جديد، ولو كان المخاض عسيرا.
متفائل أن الليل زائل فحبوب سنبلة تموت ستملأ الوادي سنابل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى