صحة

أخصائية النطق واللغة ساندرا متيرك تدق ناقوس الخطر: تأخّر الكلام ليس «مرحلة وستمرّ»!

أخصائية النطق واللغة ساندرا متيرك تدق ناقوس الخطر: تأخّر الكلام ليس «مرحلة وستمرّ»!

تُعدّ أخصائية النطق واللغة ساندرا متيرك من المتخصّصات البارعات في تقييم اضطرابات النطق واللغة والتواصل والعمل على تطوير المهارات التي تساعد الأطفال على التعبير عن أنفسهم والتفاعل مع محيطهم، وهي متخصّصة في منهج مونتيسوري. ولا يقتصر دورها على معالجة تأخّر الكلام أو صعوبات لفظ الحروف، بل يشمل جوانب متعدّدة من التواصل واللغة المحكية والمكتوبة، إلى جانب العمل مع البالغين وكبار السن الذين يواجهون صعوبات في الكلام واللغة نتيجة حالات صحية مختلفة.
في هذا الحوار، تحدّثنا مع ساندرا متيرك عن أبرز اضطرابات النطق واللغة، والعلامات التي تستدعي انتباه الأهل، وسبل العلاج، ودور أخصائي النطق واللغة في مختلف المراحل العمرية، وصولاً إلى أهمية دعم التواصل لدى الأطفال ذوي اضطراب التوحّد.

  • بدايةً، ما أبرز الاضطرابات والمشكلات التي يعالجها أخصائي النطق واللغة؟ وما الفئات العمرية التي يمكن أن تستفيد من هذا النوع من العلاج، من الأطفال إلى البالغين وكبار السن؟
    إن أخصائي النطق واللغة لا يقتصر عمله على الأطفال الذين يعانون تأخّراً في الكلام أو صعوبة في لفظ الحروف بصورة صحيحة، بل إنّ مجال عمله أوسع بكثير. فهو يتعامل مع تأخّر اللغة، وصعوبات فهم الكلام والتعبير وتركيب الجمل، واضطرابات مخارج الحروف والعمليات الفونولوجية، والتأتأة، إضافةً إلى صعوبات التواصل لدى الأطفال ذوي اضطراب التوحّد. كما نعمل على تطوير مهارات اللغة المكتوبة، ولا سيّما لدى الأطفال الذين يواجهون صعوبات تعلّمية ومشكلات مدرسية. ويشمل ذلك أيضاً المهارات المساندة لاكتساب اللغة والقراءة والكتابة، مثل الانتباه، والتمييز، والذاكرة البصرية والسمعية. ونولي اهتماماً كذلك للمهارات السابقة لاكتساب اللغة المحكية، مثل الانتباه المشترك، والتقليد، والاستجابة للاسم، لأنّها تشكّل أساساً مهماً لتطوير التواصل. أمّا بالنسبة إلى البالغين وكبار السن، فنحن نعمل مع أشخاص يعانون صعوبات في الكلام واللغة، خصوصاً بعد التعرّض لجلطة دماغية، كما نتعامل مع اضطرابات البلع. ولدينا دور مهم في التقييم والتأهيل ووضع خطة علاجية فردية تتناسب مع احتياجات كل شخص وقدراته.
  • كثيراً ما يلجأ الأهل إلى طبيب الأطفال أو المعلّمة أو أحد المقرّبين للحصول على رأي حول مشكلة في النطق أو اللغة، أو يعتمدون على مصادر غير متخصّصة، منها ChatGPT، أو قد يكتفون أحياناً بنصيحة من نوع «سيكبر الطفل ويتحسّن كلامه مع الوقت».
    ما أهمية اللجوء إلى الأخصائي المختص لتقييم الحالة بدل الاعتماد على آراء غير متخصّصة؟
    تكمن إحدى أبرز المشكلات في أنّ الأهل قد يضيّعون وقتاً ثميناً بين الآراء المختلفة؛ فهناك من يقول لهم إنّ الأمر طبيعي وإنّ الطفل لا يزال صغيراً، فيما يطمئنهم آخرون بالقول إنّ طفلهم كان مثله وتعلّم الكلام وحده. لكن علينا أن نفهم أنّ لكل طفل وتيرته في النمو واحتياجاته الخاصة. وحتى عندما يعاني طفلان المشكلة الظاهرة نفسها، فقد يكون السبب مختلفاً تماماً لدى كلّ منهما. فالطفل الذي لا يتحدّث بجمل قد يعاني تأخّراً في اللغة التعبيرية، أو صعوبة في فهم اللغة، أو مشكلة في التواصل الاجتماعي، أو أكثر من عامل في الوقت نفسه. وهنا يأتي دور التقييم المتخصّص لفهم ما يحدث فعلياً، وتحديد المهارات التي يحتاج الطفل إلى تطويرها، ووضع الخطة العلاجية المناسبة. أمّا بالنسبة إلى ChatGPT والمعلومات المتاحة على الإنترنت، فيمكن الاستفادة منها للتوعية والتعرّف إلى بعض المؤشرات، لكن لا يمكن الاعتماد عليها لتشخيص الحالة. فالتشخيص يتطلّب تقييماً مباشراً، وملاحظة الطفل، وفهماً لتاريخه النمائي ومهاراته. والأهم أنّ التدخّل المبكر لا يعني تخويف الأهل أو المبالغة في وصف المشكلة، بل منح الطفل فرصة للاستفادة من الدعم المناسب في الوقت المناسب.
  • كيف يمكن للأهل التمييز بين اختلاف طبيعي في وتيرة تطوّر الكلام وبين مشكلة تحتاج إلى تقييم وعلاج؟
    بصراحة، لا أحبّ استخدام عبارة «كلّ طفل وله وقته» بطريقة قد تدفع الأهل إلى تجاهل العلامات التي تستدعي الانتباه. صحيح أنّ الأطفال لا يتطوّرون جميعاً بالسرعة نفسها، لكن هناك مراحل نمائية ومهارات يُتوقّع اكتسابها خلال فترات معيّنة. فعلى سبيل المثال، إذا كان الطفل لا يتفاعل مع الآخرين، أو لا يستجيب لاسمه، أو كانت مفرداته محدودة مقارنةً بما يُتوقّع في عمره، فهذه مؤشّرات تستحق التقييم. كذلك، إذا كبر الطفل وبقي عاجزاً عن التعبير عن احتياجاته، أو كان كلامه صعب الفهم، أو لم يتمكّن من تركيب جمل مناسبة لعمره، فلا ينبغي الاستمرار في الانتظار من دون معرفة السبب. ومن المهم جداً الانتباه إذا فقد الطفل كلمات أو مهارات كان قد اكتسبها سابقاً، لأنّ فقدان المهارات المكتسبة يستدعي تقييماً سريعاً. وأنا دائماً أقول للأهل إنّ التقييم لا يضرّ، بل يساعدهم على الاطمئنان أو على فهم المشكلة والتحرّك في الاتجاه الصحيح.
  • باختصار، كيف تعملين مع طفل يعاني صعوبة في تركيب الجمل أو التعبير، أو ضعفاً في الانتباه والتركيز؟
    أولاً، لا أطلب من الطفل مباشرةً أن يتحدّث بجمل طويلة أو أن يجلس لفترة طويلة إلى الطاولة. بل أبدأ بفهم ما يستطيع القيام به حالياً، وما المهارات التي يحتاج إلى اكتسابها. إذا كان يعاني صعوبة في التعبير، أعمل معه انطلاقاً من مستواه اللغوي، وأستخدم الألعاب والصور والمواقف اليومية لمساعدته على التعلّم بطريقة أفضل، خصوصاً عندما تكون الأنشطة مرتبطة بحياته اليومية وتجربته المباشرة.أمّا إذا كان يعاني ضعفاً في الانتباه والتركيز، فأعمل معه على تطوير هذه المهارات تدريجياً، من خلال أنشطة تتناسب مع قدراته، ثم أرفع مستوى الصعوبة خطوةً خطوة. وإذا لاحظت وجود صعوبات في مهارات أساسية، مثل التقليد أو الانتباه المشترك أو فهم التعليمات، أعمل أيضاً على تطويرها، لأنّها قد تكون ضرورية لاكتساب اللغة والتواصل.وفي حال تبيّن أنّ الطفل يحتاج إلى دعم يتجاوز اختصاص النطق واللغة، أحيله إلى الاختصاصي المناسب، مثل أخصائي العلاج الوظيفي، لضمان حصوله على الدعم الذي يحتاج إليه.
    باختصار، ليس هدفي أن يتحدّث الطفل فحسب، بل أن أساعده على الفهم والتعبير والتواصل مع محيطه بطريقة فعّالة ومريحة وممتعة.
  • وماذا عن الحالات لدى البالغين وكبار السن، مثل اضطرابات الكلام واللغة الناتجة عن الجلطات الدماغية أو مرض ألزهايمر؟
    من المهمّ توضيح أنّ دور أخصائي النطق واللغة لا ينتهي عند مرحلة الطفولة، بل يمتدّ إلى مختلف المراحل العمرية.فعلى سبيل المثال، قد يعاني الشخص الذي يتعرّض لجلطة دماغية صعوبة في تسمية الأشياء، أو تكوين الجمل، أو فهم الكلام، وقد يصبح كلامه غير واضح بسبب تأثّر الحركات والتناسق العضلي المسؤول عن النطق. في هذه الحالات، نجري تقييماً لتحديد نقاط القوة والصعوبات، ثم نضع أهدافاً علاجية مناسبة.
    أمّا في حالات مرض ألزهايمر، فقد يبدأ الشخص بنسيان أسماء الأشياء، أو يواجه صعوبة في متابعة الحديث وتنظيم أفكاره والتعبير عنها. وهنا نعمل على استخدام استراتيجيات تساعده في الحفاظ على قدرته على التواصل لأطول فترة ممكنة، كما نوجّه أفراد العائلة إلى كيفية التحدّث معه بطريقة أوضح.
  • في حالات التوحّد، ما أبرز الصعوبات التي يعمل أخصائي النطق واللغة على معالجتها لدى الطفل، وكيف يمكن أن يساهم التدخّل المبكر في تطوير مهارات التواصل واللغة لديه؟
    في حالات اضطراب طيف التوحّد، يختلف كل طفل عن الآخر، وليس من الضروري أن يواجه جميع الأطفال الصعوبات نفسها. فهناك أطفال يعانون تأخّراً في اللغة، وآخرون يستطيعون قول كلمات وجمل، لكنّهم يواجهون صعوبة في استخدام اللغة للتواصل مع الآخرين. كما قد يحتاج بعض الأطفال إلى المساعدة في فهم الأسئلة والتعليمات، أو طلب الأشياء، أو التعبير عن مشاعرهم واحتياجاتهم.
    نحن، كأخصائيي نطق ولغة، نعمل على تطوير مهارات التواصل وفقاً لاحتياجات كل طفل، ونحدّد الأهداف العلاجية المناسبة لقدراته ومستواه. وأشدّد كثيراً على أهمية التدخّل المبكر، لأنّه يساعدنا على تحديد احتياجات الطفل والبدء بتطوير مهاراته في الوقت المناسب. كما نعمل على إرشاد الأهل إلى كيفية دعم التواصل خلال الروتين اليومي، لأنّ دورهم أساسي، والتعلّم لا يقتصر على جلسات العلاج وحدها، بل يستمرّ من خلال التفاعل واللعب والأنشطة اليومية. وأحبّ أن أؤكّد على نقطة مهمّة: هدفنا ليس تغيير شخصية الطفل أو فرض طريقة معيّنة للتواصل عليه، بل مساعدته على التعبير عن نفسه، وفهم ما يدور حوله، وامتلاك وسيلة تواصل فعّالة ومناسبة لاحتياجاته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى