خيارات دموية على صفيح ساخن من الاستنزاف والمخاطر.

خيارات دموية على صفيح ساخن من الاستنزاف والمخاطر.
كتب اكرم بزي
تشهد الكواليس الميدانية والاستخباراتية ذروة الانسداد الدبلوماسي وانهاك كل مساعي التهدئة، حيث تتكامل خطط الطوارئ الهجومية وتتعزز اللوجستيات العسكرية بانتظار اشارة البدء السياسي التي يستعجلها رئيس الحكومة الاسرائيلية طمعا في النجاة الشخصية وتأجيل المحاسبة، بينما تقف القوى الكبرى مرعوبة امام التداعيات الكارثية القادمة، ليبقى السؤال المعلق حول طبيعة الضربة المرتقبة وما إذا كانت ستستهدف ايران او الساحة اللبنانية في ساعات فاصلة تهدد المصير الاقليمي بأسره.
ان تشابك الميدان والسياسة يضع استراتيجية المنطقة على محك مصيري خطير، مع بلوغ التقارير الاستخباراتية أقصى درجات التحذير وسط تسابق محموم بين الطبول العسكرية والحسابات الحزبية الضيقة، وحيث يتقاطع نزيف الجبهات الممتدة من مياه الخليج وباب المندب إلى الجبهة الشمالية والعمق العسرائيلي ليخلق معادلة قاسية تقود حتما اما نحو انفجار إقليمي مدمر أو تسوية اضطرارية قسرية مفروضة بقوة الاستنزاف.
يمثل التهور نحو ضرب ايران مباشرة المغامرة الكبرى التي تحسب لها الدوائر العسكرية الف حساب، اذ ان اي اعتداء واسع النطاق لن يكون نزهة عابرة بل سيقابل بتفعيل فوري لترسانة الصواريخ الباليستية والمسيرات التي ستغير قواعد اللعبة، وهو ما يفسر نشر منظومات الدفاع المتقدمة شمالا تحسبا للرد الحتمي الذي سيطال شرايين الطاقة وممرات التجارة العالمية ويحول الاقتصاد الدولي إلى ساحة حرب واسعة.
وعلى الجانب الاخر يبقى الخيار اللبناني مطروحة بقوة كهدف كلاسيكي للهروب إلى الأمام ومحاولة ترميم هيبة الردع المزعومة، غير أن هذا المسار بات محفوفا بالمخاطر وغير مأمون العواقب نظرا لارتباط الساحات، حيث تؤكد المعطيات أن أي عدوان موسع سيقابل بوابل من الصواريخ الدقيقة التي تعجز انظمة الدفاع عن اعتراضها، مما يضع القيادة الاسرائيلية أمام مأزق قاتل بين أوهام النصر السريع وكابوس الاستنزاف الطويل.
وفي خضم هذا التشابك المعقد تقف العواصم الدولية موقف المتوجس الحذر، فهي تقدم الدعم العسكري لتل أبيب وتخشى في الوقت ذاته من انفجار شامل يطيح بمصالحها الحيوية، وهو تناقض حاد يضيق الخناق على نتنياهو المأزوم بهاجس الهروب الداخلي بينما تضغط قوى القرار الدولي لفرملة الاندفاع نحو الهاوية ومنع خروج الامور عن السيطرة.
وتتکشف تباعا ملامح المواجهة المحتملة في حال صدرت الاوامر النهائية، حيث تتجاوز الترتيبات التكتيكية حدود التبادل الناري لتعتمد استراتيجية الصدمة والترويع بغية شلل مراكز السيطرة سريعا، وهو ما يوازيه استعداد مضاد يرتكز على شبكات الأنفاق وحروب الكمائن لكسر تفوق التكنولوجيا الجوية، مؤكدة أن الحسم لن يكون بالنار وحدها بل بقدرة الجبهات الداخلية والبيئة الحاضنة على الاحتمال وسط انهيار شبكات الامان الاقليمي والدولي.
وخلاصة المشهد ان زمام المبادرة لم يعد حكرا على طرف بعينه، وان أي تقدير خاطئ لفرض حقائق جديدة بالقوة سيقابل بردود مدمرة وتدحرج متسارع لساحات المواجهة، مما يجعل الرهان معقودا على مدى ادراك الاطراف لحجم الهاوية التي تنتظر الجميع اذا ما سقطت آخر خطوط الردع، فهل يندفع نتنياهو نحو مغامرة مجنونة تقضي على مستقبله السياسي، أم تراه يعيد حساباته وسط ضغوط الائتلاف المتشدد والمعارضة المتربصة لإسقاطه.



