أقتصاد

.سياسة الدعم والأسقاط من الداخل

.سياسة الدعم والأسقاط من الداخل !!!
برزت بعد الأزمة مباشرة أي بعد تشرين أول من العام 2019 سياسة دعم الدولار من قبل مصرف لبنان بالنسبة لأستيراد السلع الأساسية ولا سيما المحروقات ، الدواء ، والطحين ، وقد أدت هذه السياسة الى خسارة جزء أساسي من أحتياطي مصرف لبنان من العملات الصعبة والبالغ قيمتها في حينها حوالي 32.07 مليار دولار أميريكي والذي بلغ في 15 أب من العام الحالي وفقا” للميزانية المنشورة من قبل مصرف لبنان وعلى صفحته على الأنترنت حوالي 14.76 مليار دولار ، أي خسارة حوالي 17.31 مليار دولار ، منها حوالي عشرة كلفة دعم ، وحوالي 7.31 مليار دولار تهريب ودائع للخارج أو سحوبات داخلية .
هذا الدعم كان قد سبقه منذ العام 1996 دعم لليرة اللبنانية بعد قدوم الرئيس رفيق الحريري الى لبنان وتوليه رئاسة الحكومة وقيام مصرف لبنان بتثبيت سعر صرف الدولار الأميريكي مقابل الليرة اللبنانية ودفع فوائد عالية وصلت الى حدود 40 % على الودائع لتشجيع اللبنانيين ومستثمرين عرب على الأيداع بالليرة مما كلف الخزينة والموازنة اللبنانية كلفة خدمة دين مرتفعة جدا” ، بالمقابل كان يجري سحب هذه الفوائد وتحويلها الى دولار أميريكي بسعر صرف ثابت وأخراجها من لبنان لمصلحة هؤلاء المستثمرين وجرى لاحقا” تحويل كامل قيمة هذه الأستثمارات الى الدولار الأميريكي وسحبه من السوق اللبناني .
هذه السياسات أضافة الى سياسة الهندسات المالية التي كان يقوم بها حاكم مصرف لبنان أضافة الى مؤامرة الهدر والفساد والدعم التي طالت مؤسسة كهرباء لبنان وبشكل غير منظم وغير فاعل وغير عادل ، هذا الدعم والفساد والأستمرار في تقديم الكهرباء بشكل شبه مجاني للطبقات الغنية ولبعض المصالح والشركات والمصانع هي من أكبر المؤامرات التي حيكت على لبنان وعلى أقتصاد لبنان والتي أدت الى تحميله أكثر من أربعين مليار دولار سلف خزينة وفوائد على هذه السلف ولا زالت هذه المؤامرة مستمرة ، وقد حملت هذه السياسة أضافة الى السياسات المالية للحاكم لبنان كلفة خدمة دين مرتفعة بحيث وصل هذا الدين في نهاية العام 2019 أي سنة الأنفجار الى حدود 90 مليار دولار أميريكي .
مع تفاقم الأزمة الأقتصادية والنقدية خلال الأعوام 2020 و 2021 أبقى مصرف لبنان على سياسة الدعم لكن هذه المرة مع تقنين شديد أدى الى أحتكار السلع الأساسية وفقدانها من السوق بشكل شبه كامل بحيث أثرت هذه العملية على كامل الدورة الأقتصادية للأقتصاد اللبناني والذي يعتمد بشكل أساسي على دعم هذه السلع .
من ناحية الدواء لقد فقد الدواء بشكل شبه كامل من الأسواق مما دفع اللبنانييون الى البحث عن الأدوية المزمنة في السوق السوداء أو خارج لبنان للحصول عليها ، فوقع المريض تحت سطوة التاجر المحتكر في السوق السوداء ليضطر الى شراء الدواء بأضعاف ثمنه الرسمي ، بالرغم من أن الوزارة تقول في كل بياناتها بأن هذه الأدوية مدعومة ويجب أن تباع بالسعر الرسمي ، لكن لم يستجب لا مستوردي هذه الأدوية لطلب الوزارة ولا الصيادلة بحجة عدم تسليمها لهذه الأدوية من قبل الشركات مما جعل المستفيد الأول من عملية الدعم المحتكر فقط .
أما من ناحية المحروقات فحدث ولا حرج طوابير كبيرة على بعض محطات المحروقات المفتوحة والتي لا تبلغ نسبتها 10% من أجمالي عدد المحطات ، هذا بالنسبة للبنزين أما بالنسبة للمازوت فهو مفقود بالكامل ، حتى الأفران والمستشفيات لم تحصل على الحصص المخصصة لها من قبل الوزارة بحجة أنها غير موجودة فأين يذهب هذا الدعم ؟
ما يجري اليوم وبالرغم من فقدان هذه السلع واضطرار المواطن اللبناني الى شراء هذه السلع من السوق السوداء للأستمرار في نشاطه ولو جزئيا” ، ألا أن السلطة لا زالت مصرة على سياسة الدعم ، فما هو السبب الحقيقي لأصرار هذه السلطة على هذه السياسة بالرغم من معرفتها بأن المواطن اللبناني هو أخر المستفيدين من هذه السياسة وأن أكثر من 80% يعود الى التجار ، المحتكرين ، والمهربين ؟
يذهب البعض في الأصرار على الدعم بالرغم من عدم قدرة السلطتين النقدية والسياسية على تنفيذ مضمون الدعم أن كان لناحية تأمين كامل المبالغ المطلوبة لعملية الدعم والذي أدى عدم تأمينها الى أنخفاض كبير في حجم أستيراد المحروقات خلال العام 2020 الى النصف مقارنة بالعام 2019 ، أو أن كان لناحية عدم قدرة السلطة التنفيذية على تنفيذ قراراتها وغيابها بشكل كامل عن عملية الرقابة والمحاسبة لكارتيلات التجار والمحتكرين والمتاجرين في السوق السوداء ، هذا الغياب وعدم القدرة على تنفيذ مستلزمات وموجبات الدعم يضعه البعض في خانتين :
الخانة الأولى : هو الأستمرار في سرقة ما تبقى من ودائع الناس بالعملة الصعبة من خلال استنفاذ ما تبقى من عملات صعبة موجودة لدى مصرف لبنان ، أضافة طبعا” ألى تحقيق أرباح خيالية نتيجة لبيع هذه السلع في السوق السوداء بأسعار تزيد بكثير عن السعر الرسمي .
الخانة الثانية : هو الأستمرار في خنق المجتمع اللبناني والذي بدأ مع العقوبات الأميركية منذ بداية الأزمة السورية سنة 2011 وكانت بدايتها مع عدد هائل من النازحين السوريين حيث لا يمكن للأقتصاد اللبناني تحمل عبئه كما لا يمكن لأي أقتصاد في العالم تحمل عبئ ما يزيد عن 50% أضافة على سكانه في نفس الوقت ، مما أضعف البنية التحتية للأقتصاد وحملها عبئ كبير وصل ألى حدود 2 مليار دولار سنويا” ، ولاحقا” عقوبات على المصارف وقانون قيصر الذي أغلق البوابة الرئيسية للبنان أمام صادراته الى العالم العربي ، كما خفض من قيمة تحويلات المغتربين من حوالي عشرة مليارات دولار سنويا” الى أقل من سبعة مليارات دولار .
الهدف من هذا الخنق واضح وهو رأس المقاومة من خلال خنق بيئتها التي تحتضنها ، حيث فشلت في السابق من نزع سلاحها بقوة السلاح والفصل بينها وبين بيئتها بقوة التدمير والحصار العسكري فلجأت ألى نوع جديد من الحروب وهو الحرب الأقتصادية بأدوات مختلفة ، أحدى هذه الأدوات هو سياسة الدعم مع تقنين قاسي جدا” يؤدي الى فقدان السلع وفوضى كبيرة في السوق بسبب ضعف أجهزة الرقابة والمحاسبة وبالتالي أستفادة المحتكرين والتجار وليس المواطن ، خاصة أن معظم النواب مصرين على هذه السياسة ظنا” من بعضهم وعن حسن نية بأنها السياسة الفضلى لدعم المواطن ، فيما البعض الأخر يعلم علم اليقين أن هذه السياسة ستؤدي حتما” الى فقدان السلع وتجويع الناس وهو بالتالي يساعد على تنفيذ الحصار .
يبقى في النهاية السؤال الى متى ستستمر هذه السياسة والتي هي بكل الأحوال لن تنتج ألا مزيد من الفقر والجوع نتيجة لفقدان المواد الأساسية من السوق ، وبالتالي توقف عمل المؤسسات والمصانع وجمود الأقتصاد ككل والنتيجة ستكون حتما” الأسقاط من الداخل .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى