
حدثني عن الحضارات، أحدثك عن التاريخ، لا حضارة بلا تاريخ، ولا تاريخ بلا حقبة زمنية أبدعت في زمانها، وتركت شاهداً متوارثاً لم تؤثر فيه الطبيعة، إلا الإنسان!
كم لدينا من مواقع أثرية وتاريخية، شهدت حروب وشهدت أمراء وحكّام وفاتحين، تركت آثاراً شكّلت في دواخلنا مصدر فخرٍ وإعتزاز، بأمّة أرادوا تشويها، لكنّ تاريخها شاهدٌ عليها، باقٍ لأنه يريد أن يبقى على عكس الإنسان الحديث الذي لا يهتم بحضارات بلاده، والتي هي إرثٌ لكل المعمورة.
الشاهد الحي
من هذه المقدمة وودت أن أنقل لكم رحلتي مع “منطق الطير” البرنامج الذي صورته في العراق الحبيبة، في أجمل بقاع الأرض الشاهد الحي على تاريخ تقف أمامه بوجل، وبإحترام، وبتقدير على عظمة شاء الله لنا أن نراها.
قصر محلة السِيف هو الموقع الذي صورت وفريقي برنامج “منطق الطير” في البصرة القديمة ولأمانة النقل عن مصدر تأريخي للأستاذ طالب عبد العزيز، هذا القصر، كان بيتاً لحسقيل سوميخ وهو تاجر تمور من البصرة ووالد أحد ممثليّ البصرة في المجلس التأسيسي للدولة العراقية الحديثة روبين حسقيل سوميخ وأصبح بعدها مقراً للقنصلية اليونانية في البصرة عام 1947، ولابد لك حين تراه أن ترى عبق الحضارة والطابع العمراني العثماني إبان الخلافة العثمانية، للعراق.
جذور وفخر
إن رحلاتي وأسفاري، تركت الأثر الجميل في داخلي، ولا يمكن لأي برنامج أن يحقق نجاحاً إن لم يكن مرتبطاً بالأرض، الأرض التي تتكلم رغم صمتها، وينطق الحجر بما يعجز اللسان عن البوح به، عندما ترى هذا التاريخ والحضارة وجماليتها، تشعر بزيف الواقع الحالي الذي نعيشه، وهنا لابد من توضيح نقطة مهمة بما يتعلق بالبصرة القديمة و”(أصل البصرة القديمة تاريخياً كما هي في كتب التاريخ وتاريخ العراق المعاصر، لتوضيح الخلط الحاصل في هذا السياق، فمنطقة البصرة القديمة الآن اسمها الزبير نسبةً للصحابي الجليل الزبير بن العوام، حواري وإبن عمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي يوجد قبره فيها، والتي تواجد فيها الصحابة والتابعين، وليس تلك التي تعود إلى 100 أو 150 عاماً مضت، والقصد يكون بحسب التاريخ المعاصر أي إبان الخلافة العثمانية، وأيضاً بحسب المصادر التاريخية كتاريخ أمم الملوك للطبري، أو كتاب البداية والنهاية لإبن كثير).
من موقع البصرة القديمة، كان لي شرف تصوير بعض حلقات من برنامجي “منطق الطير”، العام 2019، وبشهادة من حضرهم، كانوا من أجمل الحلقات التي عملت عليها، في مسيرتي الإعلامية، وهنا لابد من توجيه شكر إلى وزارة الثقافة العراقية التي إستطاعت الحفاظ على هذا الموقع وغيره من الأماكن التراثية إلى حدٍّ ما، المجبولة بعبق التاريخ، وترى بوضوح النقوش العثمانية الجميلة التي حُفرت باليد على الجدران.
العبث البشري
هذا الأمر دفعني لأن أوجه ملاحظة إلى المعنيين والقائمين على الأماكن الأثرية والتراثية، مشكورين على ما يحاولون تقديمه من خلال الاهتمام بتلك الأماكن، لكن لفتني الإهمال المحيط بتلك الأماكن والتي هي كما ذكرت سابقاً وأكرر، أنها ملكٌ لكل الأمة العربية والإسلامية، وهذا الأمر يجب العمل عليه رغم أنه يحتاج إلى ميزانية ضخمة، لكن مع توفر الإرادة من الممكن أن ننهض بالحفاظ على تراثنا من العبث البشري فيه ولا أقول فقط بالعراق، بل حتى في الكويت وغيرها من الدول العربية، ما يضع فرضية بت مقتنع فيها، أن هناك حقد من بعض الأنظمة العربية على التراث، فعلى الرغم من عدم معاصرتنا لتلك الحقب، بكنها موجودة وواجب على حكوماتنا إيلاء الاهتمام بها.
الاهتمام العمراني
إن قصر محلة السيف في البصرة القديمة، جميل جداً وما يحيط به من شواهد تاريخية أخرى، يؤكد أن الحضارة العثمانية آنذاك كانت تولي إهتماماً كبيرة للعمران والزخارف والمنقوشات التي نراها في كل البلاد التي كانت واقعة تحت سيطرتها أثناء الخلافة العثمانية، بحسب ما توثيق الأستاذ قحطان العبيد، وما يؤكد ذلك أيضاً أن هذه المواقع مقصد لكل فنان ومصور وكاتب ومؤلف يستمد منها الخيال وصفاء الذهن ليبدع بما يريد صناعته من أدب وفن ومن بينهم أيضاً السيّاح الأجانب، وأنا كان لي الشرف في ذلك كأول خليجي وطأ تلك الأماكن من بعد فترة التسعينات لأن هذا المكان فعلاً تراث حقيقي، نفخر به ونشعر بعظمة التاريخ وما قام به السلاطين آنذاك مثل مدحت باشا الذي أنشأ ما يعرف بـ “القشلة” في بغداد، ومثله تجده في دمشق أيضاً ولا يزال إلى يومنا هذا إسمه “سوق مدحت باشا”.
أيضاً لابد من ذكر ميناء البصرة القديمة الحيوي في تلك الفترة، وأيضاً العشار “كان العثماني يأخذ العشر من الجباية والضرائب”، ويعني ذلك أن نظاماً كان هناك وإنعكس ذلك على الحضارة العمرانية والأثرية والتراث بشكلٍ عام.
الطراز الإسلامي المميز
شخصياً أحب تصوير برامجي في الأماكن ذات الحضارية المعمارية وتحمل طرازاً إسلامياً واضحاً، وعرض النقوش وفن النحت والتيجان على الأبواب العالية، والكتابات والأقواس والزخارف الخشبية النادرة وما إلى هنالك، وليكون لي بصمة وذكرى في حضوري المصور والمسجل والذي لا شك أنني أرغب أن يتشاركه جميع إخوتي معي فيه وكان لي الشرف أني كنت جزءاً من هذا المكان، وهذا حافزٌ لي لإعادة التجربة في هذا المكان وغيره من الأماكن التراثية لتوثيق حضارة أمتي العربية والإسلامية، ونقلها لجميع العالم، فالرسالة هي الإستمرارية لا التوقف عند مرحلة معينة.
الغاية والمقصد، نبيلة، عندما أُعنى بتصوير تلك الأماكن والبث منها، لأري أمتي العربية والخليجية عبق تلك الأمكنة وجماليتها، ليكون ذلك لهم حافزاً على إبتكار الإبداع ليس فقط في البصرة بل بأي مكان تراثي إسلامي نفخر به، لا فخر البعض بمنزل “لورنس العرب” الذي هو لا يشكل نقطة حضارية أو تراثية، لأن منزله بني على طراز حضارة المملكة السعودية، فلا يعود المنزل له سوى أنه سكن فيه.
التراث العريق
وأنا من الناس العاشقة للتراث والأماكن التاريخية في كل الدول التي صورت أعمالي فيها، لكن قبل العمل، أجول في رحاب تلك الأماكن وأقرأها جيداً وأقرأ تاريخها، ومن سكنها وحكمها، لإرتبط بها معنوياً، قبل البدء بأي عمل، يؤرخ زيارتي له بعدسة برنامجي وكلامي المرتجل المستوحى من المكان نفسه وحتى فكرة البرنامج مرتبطة بهذا التاريخ وتلك الحضارة، التي كان بها على سبيل المثال “المعز أو صلاح الدين وغيرهم”، والحديث سواء عن التاريخ القديم أو المعاصر.
وهنا لابد من تصحيح مفهوم خاطئ لدى البعض، فخلال تصويري لأحد أجزاء البرنامج، حدث ذلك في مسجد يسمى حالياً بـ “باب علي” وهذا من الأخطاء التاريخية الشائعة التي وقع فيها بعض أهالي العراق، والصحيح أن اسمه مسجد “باب السد العالي” بحي العشّار العراقي، وهذا التصحيح من باب الأمانة التأريخية، وهذا يعود لجهل أهل المناطق بعدم قراءة تاريخهم، وهذا ما كنت أحذر منه دائماً، وبمقابل ذلك هناك مؤرخين عراقيين ترفع له القبعة كالمؤرخ “عباس العزاوي” الذي تكلم في كتابه “عشائر العراق” كل الأمور سواء التاريخ المعاصر أو القديم، وكذلك الأمر مع المؤرخ “حنا بطاطو”.
أيضاً لابد من توجيه جزيل الشكر لفريق العمل وفي مقدمتهم الصديق المخرج “قاسم الشمري”، في إنجاح عمل برنامج “منطق الطير” من أجمل البقاع الإسلامية عرضتها من خلال تحركي مع الكاميرا المحمولة وعدساتها لأري طبيعة المنطقة وروعتها بالإضافة إلى الكلام والذي كان إرتجالي ونال إستحسان السادة المشاهدين والمتابعين ولله الحمد، فكانت مهمة المخرج صعبة لكنه كان لها وأنجحها فله مني كل التقدير والإحترام.
بوح الروح
إن قراءة أي مكان يترك إنطباعاً رائعاً لدى الشخص خاصة لمن يعشق تاريخ أمته بكل ما فيه، ويأخذك المكان إلى ذات الزمان وكأنك حاضر بينهم ومعهم، لدرجة أنك تشعر وتتخيل كيف بنى عمال تلك الحقبة هذه الحضارة ولا يمكن لأحد أن يتخيل جمالية هذا الشعور، فأنا العربي المسلم أعتز بتراثي الإسلامي والعربي وإنتمائي لهذه الأمة العريقة وكأني سلطان على عرش المملكة هذه أو تلك، خاصة لجهة وقفتها بوجه الزمان وعواصفه من عدوان عليها كالعدوان الأمريكي الشرس “مغول العصر الحديث” على العراق، لكن ظلت هذه الأماكن شامخة بعزة المسلم والمؤمن والعربي.
ولابد من تجنب العصبيات لأن التاريخ لا علاقة له بالعصبيات، سواء من بنى كان عدواً أو حليفاً لتفصل التاريخ عن الخلافات السياسية، لأن ذلك ينسف التاريخ وهو أمر خلاف الواقع وواجب تصحيحه، فالثقافة المذهبية حتماً تؤثر لكن يجب الفصل لا يجوز العبث بالتاريخ.
أخيراً، المكان المنتقى لتصوير بعض حلقات برنامج “منطق الطير” كان يروي عن نفسه، ساعدته، فساعدني وروى تاريخه وجماله بعين المحبين والعشاق للحضارة العربية والإسلامية، وإعتماد التوثيق برؤيتي الشخصية والإنطباع الذي تشكل لدي من خلال تنقلي في تلك الأماكن وغيرها من أمتي التي أعتز بها وأفخر بكتابة سطورٍ عنها لتبقى إرثي المتواضع أمام عظمة تاريخ وحضارة الأمة، فكان موضوع حلقتي مستوحى من المكان وكنت أتحدث عن “الإتجاهات الفكرية المعاصرة للعراق” من سقوط الخلافة العثمانية، مروراً بالحركة الشيوعية وحزب البعث وحكم حزب الدعوة والأحزاب السياسية الأخرى، فكانت حلقتي عن الإتجاهات الفكرية والتنوع الثقافي وكان من وحي المكان، المغيب عن أهله، فلتعودا لقراءة تاريخكم ولتعزون به لأنه فخركم وفخرنا وفخر الأمة.
كاتب ومفكر كويتي
عبد العزيز بدر القطان







