مقالات

صور من مرآة الغربة

 

في غمرة الأنشغال بمتابعة الأحداث السياسية والحياتية اليومية لأكون على أطلاع بما يجري حتى أكون من العارفين بخبايا السياسة وبينما كنت أفتش عن لحظة هدوء من ضجيج العمل تلقيت أتصال من رقم خاص وانا نادرا” ما أخذ هكذا أتصالات من أرقام مجهولة ودون تردد اخذت الأتصال ليكون من يكلمني صوت أمرأة فيه الكثير من الحزن والتعب ومن دون أي مقدمات قالت سنا…
فقلت لها تفضلي أنا هي.

فقالت من هي أنا !!!!!

…هذه العبارة جلعتني أذهب بعيدا” جدا” لتخرجني من صمتي وتفكيري فقالت هذه السيدة المجهولة أريد من وقتك بضع دقائق فأنت الأنسانة التي تسمع للناس وأنت من تعطينا الأمل فهل تتكرمي بالوقت؟ ودون أن تنتظر جوابي قالت. .
سؤال طالما راودني في رحلة بحثي عن ذاتي وفي خضم أمواج الذكريات .. من  هي أنا. !!!!!
انا…ومن انت ؟؟؟

انا التي احتبسها قفص الزواج ولَم اكن قد حططت بعد على غصن في حديقة الحب
لأجد نفسي أصبحت في بلاد بعيدة، بعيدة عن أهلي و بعيدة عن أصدقائي و مدينتي التي تربيت فيها ولعبت في أزقتها.
لأجد نفسي بين ليلة و ضحاها أمام مسؤوليات أكبر مني و ضجيج حياة و أناس غرباء عني في عاداتهم و تقاليدهم و لهجتهم.
سنوات غربتي الأولى كانت الأصعب، خاصة بعد أن وجدت نفسي أما” و أنا في أكثر أيامي حاجة لأمي التي أفترقت عنها، لأجد نساء ثلاثينيات لا يستطعن العيش بعيدا عن أمهاتهن.
كنت أمرض وأتعب ولا أجد والدتي بجانبي حتى إني كنت أخاف أن أشاركها أوجاعي خشية عليها من قلقها علي.
أنا التي قتلتني تجاعيد على وجه والداي التي كنت أراها تزيد عند كل زيارة إلى لبنان. وأكثر ما كان يحز في نفسي أني أشاهد أفراح و أحزان عائلتي وأصحابي خلف شاشات الهواتف، و كم كنت أخاف أن يعتادوا غيابي كما أعتدت وحدتي.
فأنا تلك التي شهدت أنهيارات تليها أنهيارات، وكل مرة كنت أنفض رماد الأنهيار عني لأعود وأقف على أقدامي، فلم أكن أملك رفاهية الأنكسار لأجل أولادي.
كان مطلوبا” مني أن أكون امرأة حديدية صلبة لا تشتكي.
ومضى العمر و أختفت ملامح الطفولة و المراهقة. أنا تلك التي لطالما كانت مدللة بين أهلها و إخوتها، و أشد ما كان يميزها هي ضحكتها و حبها للحياة و روحها المفعمة بالحيوية، لتصبح من بعدها وحيدة تنتظر رب البيت ليعود من عمله ليؤنس وحدتها، فيأتي بعد عناء و تعب يوم عمل طويل ليستسلم الى النوم سريعا… فأبقى أنا و ذكرياتي وأشتياقي لحنين ودلع أمي و خوف أبي علي من رمشة عين

يقولون أن كل مرِّ سيمرّ، ولكن في كل مرِّ مرَّ أُخِذَت مني قطعة من روحي. فلم أعد أعلم أهي قوة أم تخدير؟!
فما كان يهمني في السابق لم يعد يهمني الآن.. أتظاهر بالقوة و كأن الضعف معصية أخاف أن أرتكبها.
تعلمت أن أقاتل وحدي حتى لو وجدت نفسي في غابة من الذئاب، أعود و أنا أقود القطيع.
أنا سند لجيش، ولكنني لم أجد جندي واحد يكون سندي.
هذه أنا يا سيدتي فماذا أستطيع أن أفعل غير ذلك الذي ذكرته لك.
هذه أنا.أحببت أن اشاركك همي وألمي وسكوني وأغلقت الهاتف دون أن أعرف من هي هذه المرأة فقررت أن أتشارك معكم هموم هذه المرأة التي لم أعرف منها سوى كلمة هذه أنا

ولربما تكون هذه حلقة من مسلسل حكاية فتيات في الغربة
بقلم سنا فنيش….

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى