
عندما أكتب عن “التيار الوطني الحر”، فأنا لا أكتب عن حزب سياسي عابر، بل عن أجمل حلم عشته ودفعتُ من أجله أكثر من نصف عمري. لقد تهمشت وهشمت في الحياة ليبقى هذا التيار حلم لبنان الأول، وليعود الجنرال ميشال عون منقذاً لوطن نهائي لجميع أبنائه، خالٍ من الاحتلالات. لقد سخرتُ عقلي وقلمي لسنوات في التحريض ضد الاحتلال السوري ورسم الأساطير “الفينيقية” حول عودة المخلص، بل كانت صلاتي ودعمي حتى طلبي من بعض “الاصدقاء” في فرنسا وامريكا ان الجنرال عون هو روح لبنان الذي يجب ان تعود اليه، حتى غادرتُ التنظيم عام 2009 لأسباب باتت معروفة، لكنني بقيتُ وجدانياً جزءاً من تلك النخبة التي صمدت كصخور صنين في وجه أعتى العواصف الدولية دفاعا عن لبنان 10452 كم.
اليوم، وأنا أقرأ ما نشرته جريدة “النهار” (في 19 -1- 2026) “ماذا يخسر ‘التيار الوطني الحر’ بخوضه الانتخابات منفرداً؟، أتوقف بقلق أمام تساؤلات تفرضها المرحلة، خاصة وأن من أنتموا الى التيار ونضجوا في كنف نضالاته منذ 1988 كانوا يمثلون النخبة الأكثر صلابة ودهاءً في تاريخ لبنان الحديث.
كيف لتيار كان قادراً على حكم لبنان من بابه إلى محرابه أن يتراجع إلى هذا الحد؟ للإجابة على هذا السؤال، لا بد من التوقف عند ثلاثة عناوين مفصلية سيذكرها التاريخ حتما:
أولاً: الرئاسة والحسابات الخاطئة. لماذا رفض الوزير جبران باسيل السير بانتخاب الوزير سليمان فرنجية، رغم أن هذا الخيار كان سيضمن للتيار نفوذاً واسعاً في السلطة وكتلة نيابية تمهد الطريق لباسيل نفسه للرئاسة مستقبلاً؟ هل كانت هناك قراءات سياسية خاطئة او ضغوطا دولية، أم وعود للتيار ببدائل تبخرت مع الوقت؟
ثانياً: تصدع التحالف مع حزب الله. ثمة قراءة تقول إن تعنت التيار في الملف الرئاسي (انتخاب فرنجية) ساهم بشكل غير مباشر في إضعاف حليفه (حزب الله)، وهو الحلف الذي قدم للتيار كل شيء، من المقاعد النيابية وصولاً إلى رئاسة الجمهورية. واليوم، وصل التراجع بالتيار إلى حد العجز عن التمثل بوزير واحد في الحكومة، بل وصل الأمر إلى حد “التحجيم” السياسي داخل البرلمان، كما بدا في مشهد رد رئيس الحكومة نواف سلام على الوزير باسيل، وهو مشهد عكس بوضوح تقلص نفوذ التيار. (مناقشة الثقة بحكومة الرئيس سلام)
ثالثاً: وصمة “نكث العهود”. يواجه التيار اليوم معضلة أخلاقية وسياسية؛ فهو متهم من قبل خصومه (كالقوات اللبنانية في الانقلاب على اتفاق معراب) وحلفائه (حزب الله) بعدم حفظ العهود. هذه “الوصمة” مكلفة جداً على الصعيد الشعبي والسياسي، وتجعل التيار معزولاً في غابة من الحسابات المعقدة.
انتخابات 2026:
تطرح “النهار” سيناريو انتخابياً مبنياً على الأرقام: ماذا يخسر التيار بخوضه الانتخابات منفرداً؟ الحقيقة المرة تقول إن التيار، وتحديداً في جبل لبنان والشمال، قد يخسر ما يقارب 100 ألف صوت كان يحصل عليها عبر التحالفات مع حزب الله وحلفائه دون عناء. فهل هذا التوجه الجديد، هو رضوخ لسيف العقوبات الأمريكية التي تمنع التحالف مع الحزب؟ ام هناك بدائل في السياسة والسلطة.
توازنات جبيل وكسروان: لغة الأرقام وصراع الحواصل
وهنا يمكن أن أكتب عن جبيل وكسروان التي أحفظها وأعرف توازناتها السياسية كما أحفظ وأعرف أسماء أولادي وإخوتي؛ فالقوات اللبنانية مستقلة ومستقرة وبحال تحالفت مع النائب السابق منصور البون سيكون ثلاثة نواب على لائحة القوات، ولا أحد ينافسها على وزنها السياسي في جبيل وكسروان، والانتخابات البلدية كانت واضحة في هذا السياق. أما التيار الوطني الحر، فعدد ناخبيه معروف تقريباً، وهم بأحسن الأحوال -إن حصل التحالف مع النائب السابق الدكتور وليد الخوري- لن يكون لديهم حظوظ للحصول على نائب ثانٍ في حال نزل التيار منفرداً؛ لأن “كسور الحاصل” لن تكون لصالحه خاصة مع خروج النائب سيمون ابي رميا الذي اقله “خسر” التيار من داخل اصوات التيار ما يقارب 1500 صوت. فإذا فاز الدكتور وليد الخوري، حتماً لن تفوز النائبة ندى البستاني التي ستخسر ما يقارب الألف صوت شيعي ايضا في كسروان، والعكس صحيح.
إن جميع القراءات تؤكد أن الحاصل الانتخابي قد يرتفع إلى 16 ألفاً، لأنه من المتوقع أن يصل عدد المقترعين إلى 130 ألفاً، أضف إلى ذلك التوقعات بأن تكون الأوراق الملغاة والبيضاء أقل من ألف ورقة، بعكس انتخابات 2022 التي تجاوزت فيها الـ 4000 ورقة.
في المقابل، أعلن النائب نعمة افرام صراحة أنه يريد رفع عدد كتلته بنائب إضافي، وهو يمتلك القدرة والحيثية الشعبية والخدماتية، كما أن احترام الناس له ولعائلته الكريمة وتاريخهم السياسي يسمح لهم بهذا التمدد الإيجابي في كسروان وجبيل. فالنائب افرام حافظ على مسافة متوازنة من الجميع، والساسة يدركون أنه يتوجس الاحتكاك السياسي مع الأحزاب لأنه رجل اقتصاد وعقلية هندسية منضبطة إلى أقصى الحدود، لذا فإن أي نائب إضافي سيحصل عليه سيكون حتماً من حصة التيار الوطني الحر، خاصة إن كان الدكتور وليد الخوري مع النائب نعمة افرام.
أما عن السيناريوهات الأخرى، فإن تحالف التيار مع “الخازن” لن يسمح بوصول نائبين عن كسروان، مما يعني خسارة أحدهما لحساب الآخر لأن الأرقام متقاربة جداً بين النائبة ندى البستاني والنائب فريد الخازن. وهنا يطرح السؤال: من سيكون النائب في جبيل؟ هل هو الدكتور وليد الخوري؟ وبحال تحالف الخوري مع نعمة افرام، من سيكون الفائز: الأستاذ جان جبران أم المحامي وديع عقل؟ وهل تنقسم الأصوات العونية بين الاثنين فيصبح “الكسر” غير كافٍ لفوز أحدهما؟ خاصة وأن المعركة تدور على كسور الحاصل بين ثلاث لوائح قوية: (القوات، نعمة افرام، والتيار الوطني الحر).
ثم الكتائب لديهم ما يقارب ال 6000 صوت وهذه الكتلة هي كتلة ثابتة لايؤثر فيها شيء لا الوعود الانتخابية ولا الاغراءات المالية، هم كتائب حتى العظم.
وفي حال كان التحالف بين النائب الخازن والدكتور فارس سعيد، فإنه حتماً سيكون من الصعب الوصول إلى الحاصل مهما حاول الاثنان.
إن السؤال الجوهري يبقى: كيف ستكون المعركة بحال خاضها التيار منفرداً؟ هذا السؤال يحتاج إلى أجوبة في الرياضيات كما في علم السياسة، خاصة وأن الكتلة الشيعية في منطقة جبيل وكسروان تصل إلى ما يقارب 16 ألف صوت، وهي بيضة القبان في المنطقة.. هناك أسئلة تحتاج إلى أجوبة.
المقال يعبر عن رأي الكاتب وليس رأي الموقع، شكرا على المتابعة.







