الصبرُ مفتاحُ الفرج…

هكذا علّمتني الحياة، وهكذا هو إيماني المتجذّر منذ الطفولة.
نصبر حين تنهال علينا التحديات، نصبر حين تُغمر أرواحنا بالمآسي، نحاول أن نفتّش عن بصيص نور وسط عتمةٍ لا ترحم.
وحين يضيق الصدر، وتتزاحم الأسئلة فينا:
لماذا كل هذا الظلم؟
أين العدالة؟
إلى متى هذا القهر؟
ننظر حولنا فنجد أبناء جلدتنا يُسحقون، والظلم يُمارس علنًا، ولا أفق في نهاية هذا النفق الطويل.
وتكاد أرواحنا تتصدّع تحت وطأة الانتظار، فنرجع إلى القرآن، ونتذكّر قصة النبي موسى عليه السلام في سورة الكهف…
نبيٌّ كريمٌ، تزعزع صبره أمام تصرّفات الخضر عليه السلام، وهو الذي قال له:
“وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرًا” [الكهف: 68]
فخرق سفينةً، وقتل غلامًا، وبنى جدارًا بلا أجر… فظنّ موسى أن هذه تصرفات جائرة، حتى كُشف له المغزى، وتجلّت له الحكمة، واتّضح له أن ما حسبه شرًا كان خيرًا مؤجلاً.
فإن كان نبيّ الله موسى لم يَصبر، فكيف بنا نحن، البشر الضعفاء، نحمل كل هذا الألم ونصمد؟
هل حقًا وُهبنا هذه القوة الخارقة لنتحمّل فقدان الأحباب، واغتصاب الأرض، وتآمر العدو والصديق،
وضياع الوطن؟
نعم، نحن في لبنان صبرنا طويل… نعيش على أمل أن “غدًا سيكون أفضل”، وأن الله سيهدي القلوب، ويجمع شتاتنا، ويدفعنا لاختيار المصلحة الجامعة على حساب الأهواء الضيقة.
نصبر على رجاء أن نستفيق ذات يوم، فنرى شعبًا واحدًا، لا طوائف ولا أحقاد ولا غرباء يتدخلون في تفاصيل مصيرنا.
لكن، للأسف، ما نلبث أن نسمع تلك الأصوات الخبيثة، تنبع من داخلنا لا من خارجنا، تشعل نار الفُرقة، وتغذّي الفتن، وتُعيدنا إلى الحلقة المفرغة ذاتها: انقسام، فتنة، ضياع… ثم نعود ونصبر، وننتظر، وتدور العجلة من جديد.
ثم نرتجف خجلًا من الله، ونتذكّر وعده الرحيم:
“لا يُكلف الله نفسًا إلا وسعها” [البقرة: 286]
فنقول: يا رب، أهذا وسعُنا؟ أم إنك تعرف فينا طاقةً لم نرها بعد؟
ننتظر بلاءً يُرفع، وحكمةً تُكشف، ومصيبةً تتحوّل إلى رحمة.
ننتظر فجرًا لبلادنا المصلوبة:
لبنان، فلسطين، سوريا، العراق، اليمن… وكل أرضٍ تنزف.
اللهم صبّرنا وثبّتنا، ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين.
اللهم اجعل لنا من كل ضيقٍ مخرجًا، ومن كل همٍّ فرجًا، ومن كل بلاءٍ عافية.
يسعد صباحكم بالصبر والإيمان، وطمأنينة القلوب المنتظرة فرج الله.
خلود وتار قاسم



