مقالات

روسيا القومية والحلم الأوراسي!

كتب أكرم بزي
يقول الفيلسوف الروسي المعاصر ألكسندر دوغين: “الليبرالية الحديثة هي أيديولوجيا توتاليتارية بالكامل تعمل وفق نمط وأساليب سوفياتية/غوبلزية: أيا كان ذلك الذي يتحدى السردية الليبرالية العولمية فهو إما “فاشٍ” وإما “شيوعي”. ولفهم طبيعة الإيديولوجية “الأوراسية الجديدة” التي باتت تحظى بقبول في أوساط واسعة من النخبة السياسية والإعلامية والفكرية في روسيا بما فيها الرئيس فلاديمير بوتين.
لا يمكن سبر أغوار هذه الإيديولوجيا من دون قراءة أفكار دوغين، مؤسس “الحركة الأوراسية” في روسيا، الذي يُحدد في محور نظريته الجيوسياسية، أن مهمة روسيا تتمثّل في تحدّي هيمنة الولايات المتحدة على العالم، داعيًا إلى تعبئة شعوب أوراسيا (أوروبا آسيا) بقيادة روسيا، بما في ذلك جمهوريات الاتحاد السوفييي السابق وألمانيا وأوروبا الوسطى والشرقية، للتحالف مع تركيا وإيران، وإقامة تحالف “طبيعي” مع الإسلام لضمان وصول الروس لموانئ المياه الدافئة”.
اتهمه البعض من أنه العقل المدبر وراء ضم شبه جزيرة القرم، الذي بسببه أدرجت الولايات اسمه في قائمة العقوبات الأميركية عام 2014 بعد احتلال الجزيرة. ويضيف أن الليبرالية وزعيمتها أميركا القائمة على توفير الحرية الفردية والسوق الحرة، انتصرت على الفاشية عام 1945 وعلى الشيوعية عام 1991، لكنها تعاني “أزمة قاتلة” تهددها بالأفول الآن، من وجهة نظرته. وبما أنه يرى أن النظريات الفائتة ستنتهي ومعها الليبرالية، فإنه طرح فكرة أسماها “النظرية السياسية الرابعة”، التي لا تركز على الفرد أو العرق أو القومية، بل على الوعي الذاتي الإنساني الذي همّش من قبل التكنولوجيا. ولأن الوعي الذاتي يختلف من إنسان لآخر، فلابد للعالم أن يكون متعدد الأقطاب وليس كما تحاول أميركا جعله “حكومة عالمية” تقودها نخبة معينة ومديرو أعمال عالميون، وتستهدف الناس لمصالح شركاتها الخاصة. ويرى أن الصراع بين روسيا وأميركا صراع “جيبوليتيكي” (جغرافي) وليس كما كان سابقا “صراعا أيديولوجيا” بين الليبرالية والشيوعية.
(متعدد الأقطاب… هذا ما ركز عليه الرئيس بوتين في خطابه الأخير بعد ضم الجمهوريات الأربع، والذي طالب به الولايات المتحدة والعالم أجمع بأنه لم يعد هناك شيء أسمه الاحادية القطبية، بل عالم متعدد الأقطاب، ولا شك أنه يقصد بهذا دور روسيا والصين وغيرهما من الدول التي باتت ذات نفود واسع وتستقطب العديد من الدول في فلكها).
وصف دوغين النظرية السياسية الرابعة بأنها نظرية الثورة وتصفية الاستعمار بالنسبة للمجتمع الروسي، والتي تدافع عن “أصالة الحضارة الروسية وعن حقوق الإنسان”، ولكن ليس وفقا للقيم الغربية التي قال إنها ليست شمولية وهي غير مقبولة لا في روسيا ولا في “العالم الإسلامي ولا في الصين”. ويرى أن على روسيا قيادة “الاتحاد الأوروآسيوي” (أقاليم الاتحاد السوفياتي السابق)، وهو ما دفعه لتأسيس الحركة الأوروآسيوية الدولية، وكانت الخطوة الأولى في هذا الهدف هي احتلال شبه جزيرة القرم، التي تكمن أهميتها في أنها توفر لروسيا منفذا بحريا. ولا يعد دوغين الولايات المتحدة خصما للاتحاد “الأوروآسيوي”، إنما الخصم الحقيقي هو حلف شمال الأطلسي “ناتو” (NATO) المؤسس على يد 12 دولة بينها أميركا، والذي أنشئ بهدف وقف تمدد الاتحاد السوفياتي عام 1949.
نظرة ثانية لمنظرو القومية الروسية ومنهم “أديب خالد” يقول: “يمكننا القول إن أي محاولة لتقديم مبدأ القومية إلى منطقة لطالما اختلفت طريقة تنظيم سكانها وحدودها السياسية، ستقترن بحدوث مشكلات، ينطبق ذلك على آسيا الوسطى بالقدر نفسه الذي ينطبق على بقية دول العالم. ومع ذلك، لم يكن ستالين، ولا الاتحاد السوفياتي، هم من أجبروا آسيا الوسطى على أن تصبح قومية. وبحسب “أديب خالد”، كان لمشروع بناء الدولة القومية السوفياتي في آسيا الوسطى جذور محلية، وقد جاء نتاج أفكار وحركات نشأت بين المثقفين المسلمين في المنطقة، وهي أفكار وحركات يعود تاريخها إلى ما قبل الحكم السوفياتي، ولم يقم المفوضون السوفيت بأكثر من استمالتهم في العشرينيات.
بينما جرى التخلُّص من معظم هذا الجيل الأول من مثقفي آسيا الوسطى في الثلاثينيات، إلا أن مشاريع بناء الدولة استمرت. وقد كان أولئك المثقفون في توتر دائم بشأن الهدف الأشمل من تأسيس هوية سوفيتية مشتركة، لكن فكرة القومية أثبتت صمودا مذهلا. ولم تكن الدول القومية المستقلة التي ظهرت على مضض نتيجة الانهيار السوفياتي عام 1991 مضطرة للبدء من الصفر لخلق هويات وطنية، فقد استطاعت البناء على الأسس السوفياتية الموجودة مسبقا. ويعد شدة ارتباط معظم سكان آسيا الوسطى اليوم بالدول التي يعيشون فيها مؤشرا واضحا على التشرب التام لفكرة القومية واستيعابها وتوطينها.
ولكن هل تتطابق هذه الرؤية مع نظرية دوغين؟ مع العلم أننا نرى مدى تأثير أفكار ونظريات دوغين على القرارات المصيرية التي يتتخذها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، فهذان الرجلان يتفقان ويتطابقان بالكثير من الافكار ووجهات النظر، وإذا ما راجعنا تطور الأحداث منذ أكثر من عشر سنوات لوجدنا أن قرارات بوتين الاستراتيجية على المستوى الأوروبي هي محاولة تطبيق لنظرية دوغين، وكأنهما يتناغمان وينسجمان بتنفيذ النظرية، فإن كان بوتين يسعى للتركيز على القومية الروسية وضم الجمهوريات السابقة للاتحا السوفياتي اليها، لا نرى أي تناقض فيما يعى إليه ألكسندر دوغين بل نراه نوع من التطابق ما بين ما يقوم به بوتين ونظرية دوغين، الأول على مستوى “روسيا العظمى” والثاني “اوراسيا” الموسعة.
فبعد ضم جزيرة القرم إلى روسيا، ها هو الآن يضم 4 جمهوريات (لوغانسك، ومينسك، وزابورجيا وخيرسون)، والتي كانت الى وقت قريب تعتبر جزء لا يتجز من أوكرانيا، وبهذا العمل يكون قد أمن المدى الحيوي والجغرافي وأصبح أكثر بعداً عما كان يخطط له حلف الناتو فيما لو أراد ضم أوكرانيا إليها، وبهذا يكون بوتين قد استبق حلف الناتو بهذه العملية وضرب ضربته الكبيرة، والتي قد تؤدي فيما لو استمرت الحرب الروسية الأوكرانية بهذه الوتيرة المتصاعدة إلى حرب عالمية ثالثة بدت بوادرها، من خلال الدعم العسكري اللامتناهي لأوكرانيا من قبل الولايات المتحدة الاميركية والإتحاد الأوروبي وخاصة بريطانيا. إذ بلغ حجم الدعم العسكري لغاية شهر آب/ أغسطس المنصرم بحدود 85 مليار دولار أميركي بحسب تقارير غربية.
فالحرب على أوكرانيا تنبأ بها دوغين واعتبرها “الحرب الحتمية” تحت ما أسماه “نوفو روسيا” (روسيا الجديدة)، ودعا بوتين للتدخل العسكري في شمالي أوكرانيا، متعللا بـ”إنقاذ السلطة الأخلاقية لروسيا”، وأنها ستنقذ العالم من الأحادية القطبية. ووصف حرب بلاده على أوكرانيا بأنها “ليست حربا على الشعب الأوكراني ولا على الدولة، ولكنّها حرب على الدمى الغربية التي تحاول السيطرة على العالم، وعلى النازيين الجدد الذين انقلبوا على إرادة الشعب الأوكراني في 2014”. وذكر أن “أوكرانيا كدولة ليس لها معنى جيوسياسي” كما كتب في كتابه “أسس الجغرافيا السياسية”، ودعا إلى أن تستوعبها روسيا بالكامل تقريبا وترك معظم المناطق الغربية من أوكرانيا خارج نطاقها.
تقول الدكتورة ليلى نقولا: ” أن إجراء دراسة مقارنة لكل من أفكار بوتين وأفكار دوغين، تعطي فكرة واضحة أن بوتين لا يؤمن بأوراسية دوغين، بل إن بوتين ينتمي إلى التيار القومي الروسي الذي يؤمن بعظمة روسيا كحضارة قائمة بذاتها، وليست بالضرورة جزءاً من الحضارة الأوروبية أو الأوراسية كما تؤمن التيارات الفكرية الأخرى في روسيا. أوراسية بوتين تنطلق من مصلحة اقتصادية وجيوبوليتكية (سياسة واقعية)، وليس من منطلق إيمان بهويةٍ أوراسية حضارية كالتيار الأوراسي الفكري في روسيا الذي لا يؤمن بالهوية الروسية باعتبارها مميّزة ومنفصلة بل باعتبارها جزءاً من أوراسيا. أما “الأوراسية الجديدة” التي ينادي بها دوغين، فهي أيضاً لا تتطابق والتيار الأرواسي التقليدي في روسيا، بل إن أفكاره أقرب إلى اليمين المتطرف الذي يدعو إلى هيمنة روسيا على أوراسيا، أكثر مما هو داعم للاندماج الثقافي والحضاري الأوراسي).
ولكن هذا لا يخفي مدى تأثير هذا الرجل على العقيدة الروسية وعلى الشارع الروسي وعلى القوميين الروس وخاصة بعد الحرب الروسية الأوكرانية، وبعد محاولة اغتياله ومقتل ابنته داريا والتي أدت الى حالة تعاطف واسعة على مدى الجمهوريات الروسية.
أما على مستوى العالم العربي فيرى دوغين أن التدخل الروسي في سوريا مهم لوقف التمدد الأميركي ومحاربة أدواتها إن كان على المستوى الحركات الإسلامية كـ “داعش” أو “القاعدة” او غيرها من الحركات الإرهابية المتطرفة، والذي يعتبرها منتوجات أميركية تهدد الوجود الروسي بشكل مباشر، مما يلزم موسكو باحتوائه للضرورة الجيوسياسية التي يؤمن بها. ويقول دوغين إن “سوريا هي خطنا الخارجي للدفاع، والخط القادم بعد سوريا هو على أراضي الاتحاد الأوراسي (أ) وحتى داخل الاتحاد الروسي”. ويذهب إلى أن انهيار سوريا سيتسبب في انهيارات متتالية في منطقة الشرق الأوسط، وسيخلف فوضى في المنطقة بزيادة أعداد اللاجئين وتمددهم نحو أوروبا، الذي اعتبره سببا “سيرجع أوروبا سياسيا إلى الوراء”. وبنظر المفكر الروسي، فإن حل المشكلة السورية يجب أن يكون داخل سوريا نفسها، بالتعاون مع روسيا وإيران وقطر والإمارات والسعودية، أي أن ما سماها الأيديولوجية الليبرالية لا ينبغي أن تكون حاضرة في الملف السوري.

المصادر: الـ BBC، مكتبة الكرملين، الفورين أفيرز، نيوزويك، قراءة لـ نواف التميمي، د. ليلى نقولا – الميادين، ترجمة لـ هدير عبد العظيم عن موقع: Eurasianet، https://switzerland.detailzero.com
—————————————————-

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى