متفرقات

راوي علم الحديث.. هل يُبرِّر المغالاة؟ 2 عبد العزيز بدر القطان ،،،،،،، خاص سناtv

 

راوي علم الحديث.. هل يُبرِّر المغالاة؟ 2

عبد العزيز بدر القطان ،،،،،،،

خاص سناtv

تنبع أهمية علم الحديث من حيث مكانته التشريعية، والتي تحتل المرتبة الثانية بعد كتاب الله تعالى، ولا شك أن السند كان ولا يزال أهم الوسائل التي حفظ الله بها الحديث وصانه من الوضع والكذب والإفتراء، كما أنه المعيار الأول الذي تقيّم به الروايات، وتوزن به الأخبار، لمعرفة صحيحها من سقيمها، وقويها من ضعيفها، وكان أئمة الجرح والتعديل حريصين على هذا الأمر، فلم نسمع أن جرّح بعضهم بعضاً فقط لوجود “الوهم” أو “الخطأ”.

خلق الله سبحانه وتعالى أئمة الحديث لهذا الشأن فوهبهم قوة الذاكرة الخارقة، والصدق والإخلاص، فمن شروط رواية الحديث أن يكون الراوي عادلاً وهذا أمر لا يختلف عليه إثنين، إضافة إلى الضبط وإتصال السند، وسلامة الحديث من أي علة، فمن روى، لنا فيما نقل، وليس فيما حمل في قلبه، محبّاً أو كارهاً، رحيماً أو لئيماً، نحاسب على الظاهر، والمستتر منه لنفسه، كان معنا أو علينا، كان من شيعتنا وحزبنا أو من مبغضينا، ما دام نقل بأمانة وهذا هو المهم.

العدالة “معيار”

في مقدمة فتح الباري لإبن حجر العسقلاني ، مما جاء فيها “ينبغي لكل مصنف أن يعلم أن تخريج صاحب الصحيح لأي راو كان مقتض لعدالته عنده وصحة ضبطه وعدم غفلته ولا سيما ما إنضاف إلى ذلك من إطباق جمهور الأئمة على تسمية الكتابين بالصحيحين وهذا معنى لم يحصل لغير من خرج عنه في الصحيح فهو بمثابة إطباق الجمهور على تعديل من ذكر فيهما هذا إذا خرج له في الأصول فإما إن خرج له في المتابعات والشواهد والتعاليق فهذا يتفاوت درجات من أخرج له منهم في الضبط وغيره مع حصول اسم الصدق لهم وحينئذ إذا وجدنا لغيره في أحد منهم طعنا فذلك الطعن مقابل لتعديل هذا الإمام فلا يقبل إلا مبين السبب مفسرا بقادح يقدح في عدالة هذا الراوي وفي ضبطه مطلقا أو في ضبطه لخبر بعينه لأن الأسباب الحاملة للأئمة على الجرح متفاوتة عنها ما يقدح ومنها ما لا يقدح”.

من هنا، عن النقل علم، لا يُبدِع به، إلا كل عالم متمرّس، كان له باعاً طويلاً في تلقّي العلوم، أن تنقل الأحاديث وتكون في متناول الكل والجميع، “دون إستثناء”، وأن تكون في المقلب الآخر مهتماً بعلومٍ أخرى، فهذا شأنك، ولا يُفسد للود قضية، الأحكام وضعية، مضبوطة وتحكمها شروطها، لا يحكمها معتقدات ولا مذاهب، ولا مرجعيات، ففي أزمنة مضت، قد يكون العرب الأقحاح متجاوزين هذا الأمر، لكن في الأيام الحاضرة، ترى البعض منهم وصل إلى حد التكفير، فقط لأنه وإياك لستما على معتقد واحد، وهذا ما أضاع الجزء الأكبر من تاريخ الأمة الإسلامية.

إذاً، الجميع يتفق على أن للرواة شروط خاصة وضوابط إن خرجوا عنها، ضاعوا وأضاعوا النقل، وهنا، يتوجب الإنتباه والحذر، لأن النقل ليس نقلاً عاديّاً بل هو نقل لثاني مصدر تشريعي في الإسلام كما أسلفنا بعد القرآن الكريم، فمن ينقل بأمانة، كان من كان، وأوصل الحديث المسند بشروط شاملة، هذا هو الكنز، بغضني أم بغضته، عاداني أم كان معي، هذه أمور لوثت مفاهيم كثيرة وخلقت خصوم من إجتهادات لا تمت لعلم الحديث أو لأية علوم شرعية أخرى بصلة، فالناقل سواء كان من أية ملّة له ما له وعليه ما عليه، كحالة عمران بن حطان، الذي إتسم بالنقل بأمانة رغم أنه كان من الخوارج، لكنه أدى النقل وفق الشروط والضوابط، وأما ما كان عليه فهذا شأنه، وأما الأمة بحاجة للحديث وبحاجة لإلتماس الصدق فيه وشفافية النقل عن المنقول، وهنا بيت القصيد.

العدالة

إن المذهب في العمل الروائي التطبيقي لا ينظر للمذهب بل يعتمد على عدالة الراوي من حيث الضبط، لكن حتماً لكل مذهب تأثيراته على رواته ممن يتبعون لهذا المذهب أو ذاك، وقد يُلاحّظ تأثر الراوي، لكن في التطبيق والعمل لا إلزامية به، وهنا لا يجوز النقد لمجرد النقد، طالما النقد والشروط جاءت مكتملة النصاب، وهذا هو الهدف الأسمى، وذلك بالمعنى الحرفي لا يفسد للود قضية، فجميعنا نتأثر بموقف وبكلمة وبحديث وإن كان يتبع لفئة أخرى، لكن شرط أن يبقى داخل الشخص لا تعميمه وإسقاطه في الأمور الأخرى ومنها علم الحديث.

وأورد مثالاً آخر من مقدمة فتح الباري، فإذا روى الضابط والصدوق شيئا فرواه من هو أحفظ منه أو أكثر عددا بخلاف ما روى بحيث يتعذر الجمع على قواعد المحدثين فهذا شاذ وقد تشتد المخالفة أو يضعف الحفظ فيحكم على ما يخالف فيه بكونه منكرا وهذا ليس في الصحيح منه إلا نزر يسير قد بين في الفصل الذي قبله بحمد الله تعالى، وأما دعوى الانقطاع فمدفوعة عمن أخرج لهم البخاري لما علم من شرطه.

ومع ذلك فحكم من ذكر من رجاله بتدليس أو إرسال أن تسبر أحاديثهم الموجودة عنده بالعنعنة فإن وجد التصريح بالسماع فيها اندفع الاعتراض وإلا فلا وأما البدعة فالموصوف بها أما أن يكون ممن يكفر بها أو يفسق فالمكفر بها لا بد أن يكون ذلك التكفير متفقا عليه من قواعد جميع الأئمة كما في غلاة الروافض من دعوى بعضهم حلول الإلهية في علي أو غيره أو الإيمان برجوعه إلى الدنيا قبل يوم القيامة أو غير ذلك وليس في الصحيح من حديث هؤلاء شيء البتة والمفسق بها كبدع الخوارج والروافض الذين لا يغلون ذلك الغلو وغير هؤلاء من الطوائف المخالفين لأصول السنة خلافا ظاهرا لكنه مستند إلى تأويل ظاهرة سائغ.

إن النقل في إعتماد الصدق، دون الغوص في تفاصيل الناقل الأخرى، فطالما أنه إلتزم بالشروط، فهذا لا يجرده من حقه في النقل، إختلفت أم إتفقت معه، لكن هذا واقع وملزم وشرط رئيس في علوم الحديث، حيث لا ينبغي للمسلم أن يتحدث عن أمر ليست له معرفة كافية به ولا عن أمر لا يتذكر وقائعه بشكل صحيح، ولا عما لا علم له به ولكن يتحدث إذا تحدث بعلم وإلا ففي الصمت السلامة ولا يكلفه الله أن يتحدث بالظن الذي هو أكذب الحديث، ولا بما لا معرفة له به كافية.

وبالحديث عن ذلك، وعلى سبيل المثال لا الحصر، نعود لعمران بن حطان، رغم أن هذا الرجل أصبح من الخوارج، لكن العلماء والمختصين لم يجرحوا روايته، ببساطة لأن ذلك قاعدة ثابتة عند قواعد أهل الحديث. فعمران بن حطان كان أحد رواة الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه وكان عنده علم شرعي غزير ومع ذلك لم يمنعه ذلك من الانضمام للخوارج وكان شاعراً فصيحاً وذو حجة وكان أحد من جادلوا علياً سلام الله عليه وامتدح قاتله، إنما العلم الشرعي لا يمنع من الغلو إذا نازعت ذلك حظوظ نفس وقسوة طباع وإتباع.

لكن، يجب أن لا تسقط سهواً منّا، إغفال أن بن حطان إمتدح قاتل الإمام علي بن أبي طالب، سلام الله عليه، وهو “عبد الرحمن بن ملجم”، ففعلته ترقى لأن توصف بالجريمة النكراء وهي غير مقبولة على الإطلاق، ومن هذه الناحية نرفض هذا السلوك، وهذا الفعل وهذا المدح المقيت، فشخصية الإمام علي منزهة ورفيعة ولا نقبل كائناً من كان أن يمسها بسوء، إنما أوردت مثالي عن عمران بن حطان، ضمن المعايير التي وضعها العلماء، بعد التجرد من العاطفة ليصار إلى تحكم موضوعي بالنص والقراءة، لا من خلال التهجم والإنفعال، فنحن نتقرب إلى الله عز وجل بحب علي عليه السلام. وهذا ليس تبريراً، بل هذا على قواعد أهل الحديث والجرح والتعديل.

إن الكلام هنا حول القواعد العلمية، فهذا النوع من العلوم يحتاج إلى تفعيل العقل وتغليبه على العاطفة وتحكيم المنطق إلى درجة قد تجيز له الإنفعال مع أهل المناهج والعلم، أي الكلام والتوثيق منهجياً بطريقة علمية وأكاديمية، ولعل هذه الجزئية هي موضع الخلاف بين الكثير من العلماء الذين يتبعون مذاهب مختلفة، فيريدون تلميع أسماء وعلى حساب أخرى ممن يختلفون معهم، وهنا “نقطة الخلاف الحقيقية”، فإن لم نضع هذه الأمور جانباً، نكون قد ساهمنا في تخريب أهم العلوم وتركنا مراجع ضعيفة بدل ان تكون محكمة وتستند إلى شروط علم الحديث.

المفتاح الرئيس “الصدق”

لكي تقبل رواية أياً كان يجب أن يتميز بالصدق وهذا الأمر هو النقطة الأهم، ولكن طالما أنهم نقلوا بصدق فهنا يتغير موضع النفاق وموضع تقبل الرواية من الحديث المنقول، فقد يجوز النقل عمن كما ذكر إلتزم بالشروط، لكن إن أراد البعض التشكيك، فهو بذلك يميل إلى مغالطات لا تُحمد عقباها، وهنا لست مدافعاً عن أحد، بل أتحدث عن علم ومصدر تشريع أساسي للأمة الإسلامية، وهذا أضعف الإيمان، والله من وراء القصد.

فكل علم من العلوم له إختصاصاته ورجالاته، فليس هناك من وجه شبه بين الراوي والفقيه على سبيل المثال، فراوية الأحاديث ونقلها وتوثيقها هو لون من إحقاق الحق وإبطال الباطل، فشروط النقل كما وضعها أهل الشريعة.

أولاً، اتصال السند: أن يكون كل راوٍ من رواته قد سمع ممن قبله، وأداه لمن بعده، مع المعرفة بحال كل راوٍ.
ثانياً، عدالة الراوي، أي أن يتمتع بالصدق والخلق الحسن وامانة النقل وها لا يختلف فيه أحد.

ثالثاً، الضبط، أي النقل بالحرف دون إضافات أو إجتهادٍ شخصي، لأنه نقل عن، ولم يكن هو صاحب الحديث.
رابعاً، السلامة من العلة والمغالطات، لوجوب وصول الحديث كما هو.

وما أوردته ليس سرّأً أو إجتهاداً بل للتأكيد أن لكل علم شروطه وإلا لاختلط الحابل بالنابل، وضاعت أحاديثنا وضاع تاريخ أمتنا الإسلامية.

وهنا نؤكد، أن ما يعنينا أمانة النقل وصدقه، فيما النفاق غير ظاهري، فلا أحد يعلم ماذا في نفوس البشر ودواخلهم، سواء إتفقنا أم إختلفنا مع نهجهم، فمن يعطي الحديث كما شروطه، ويمدح على سبيل المثال لا الحصر، قَتَلة أو غيرهم، ممن لا نتفق ونهجهم، هذا شأنهم، طالما أبدع فيما نقل، فهذا هو العلم الذي نعرف، وهذه القواعد وضوابطها لدى المحدثين، وعلماء الجرح والتعديل، وجميعنا يعلم أن كل مدرسة تختلف عن الأخرى، من هنا، الخلط فيها والإنتقاء دون “علم”، إلى ماذا سيؤدي؟
حتماً سيؤدي إلى نتائج لا تُحمد عقباها، فلا يجوز الخلط والقياس مثلاً مذهب على مذهب آخر، وبأمانة إن وقفتم عندها لعرفتم أن هذا النوع من تحريف العلوم هو سبب حدة المشاكل في أيامنا هذه، واللبيب من الإشارة يفهم، فمن يسقط العلم، في سبيل إعلاء منطق مدرسته، دون مراعاة الضوابط والأحكام، وضع نفسه ومدرسته في غياهب وأتون المشاحنات، فالحديث هو المصدر الثاني للتشريع بعد القرآن الكريم، ليكون مرجع الأمة، لا مرجع فئة بعينها، التمحيص الدقيق، والدراسة الوافية، والنقل الأمين، هو مرجعنا جميعاً وهو الذي يوحدنا، فهل من مجيب، وناصح.

فعلم الجرح والتعديل هو العلم الوحيد الذي لا يوجد إلا عند المسلمين وهو ما يميزهم ويسمى كذلك بعلم الرجال، فلما كان الحديث النبوي الشريف المصدر الثاني للتشريع بعد القرآن الكريم، كان لابد من نشوء هذا العلم الذي يمحص الرواة ونقلة الحديث تمحيصاً دقيقاً فإما أن يعدل ناقل الحديث او يجرح ولا تقبل روايته، وهنا برز اهل التخصص في ذلك، ونشأ علماء قل نظيرهم، وأذكر منهم أستاذي الدكتور ماهر ياسين الفحل، فعلماء الحديث والإسناد والرجال الثقات هم الذين حفظوا للأمّة دينها وعقيدتها.

أخيراً، إن رواة الحديث يروون، والكل لهم ضوابطهم وقواعدهم، أهل فن علم الحديث، لهم قواعد تحترم كأصحاب التخصص، وأنا مع إعادة النظر والتدقيق بكل شيء حتى بعلم الرجال، حتى التوثيق، وأي متطفل على فن بعيد عنه وعن إختصاصه، وخصوصاً علم الحديث وفن الجرح والتعديل وعلم الرواية، لا أرى فيه تشبيه يليق به سوى أنه يصبح كـ “حاطب الليل”، يضيع، ويضيع معه مقصده. لكن في النهاية الراوي هو إنسان في النهاية وهو غير معصوم، ولا حتى المصحح والمضعف، فيجب مراعاة الظروف والزمان الذي كان يعيش فيه، ومهما يكن الناقد يجب مراعاة هذا العالم لأجل العدل الذي نبحث عن في علم الحديث، لنوثقه ونؤكد صحيحه، فقد ينقل أموراً شابتها بعض الشوائب وهنا يسقط معها بند “العمد” وهذا لا يستوجب مطلقاً القطيعة المعرفية مع التراث، بل هنا واجب الحذر من جعل التراث مساوياً للتشريعات والتي أساسها القرآن الكريم، لكن يجب التنويه على أن المعرفة تتجدد دوماً والحياة عموماً متغيرة والمدركات وكل شيء حولنا، فكتابنا الكريم ثري وغني بالكثير الكثير لمن أراد علماً لا تطفلاً وإطلاق النظريات، ومن البديهي أن تكون مخفية في زمانٍ مضى وبرزت في أوقاتٍ لاحقة.

لكن على المقلب الآخر، قد يأتي أحدهم بعلمٍ لا يتعارض مع الدين، لكن بالمطلق قد لا يكون صحيح، وقد يأتي بتفسير حديث، من حيث الشكل تراه متوافر الشروط، لكن إن قلبته من حيث المضمون، تراه لا يفقه من هذا العلم إلا القشور، وهذا ينطبق على جميع المذاهب الإسلامية جميعاً، وهنا أحترم ما جئت به لكن لا تستطيع إقناعي بأن أقتنع بأفكارك، لمجرد أنك حققت الشروط العامة!

أعزائي وإخواني، لا زالت تلميذاً في مدارس أمتي الإسلامية، ولا زلت أتتلمذ على أيدي أساتذتي، أنهل من خبرتهم وتجاربهم وعلمهم، لا يبخلون علي وبدوري لا أبخل عليكم، دعوكم بحق هذه الأمة أن تحافظوا على تراثها من الضياع، أن تنبذوا الفرقة والتعصب، وتلحقوا بركب الأمة، لا تكونوا كمن ينكرون الدين مع بروز نظريات العلم، ولا تنكرون العلم لتجرده عن الدين، فكلاهما يتمم الآخر، وكلاهما بحاجة الآخر، فالله واحد سخر لنا العقل لنطور العلم، لنطور معرفتنا ونبني أمتنا ونحافظ عليها من الضياع.

فيجب أن تركز على مسألة الإنفتاح على الآخر، فالحديث عن الضوابط القديمة يجب ألا يجعلنا نقدس الآراء إن لم نقتنع بها، بل حتى وإن كان كذلك، بل نحترمها ونقدرها، على ما هي عليه، وان ننفتح على القراءات الجديدة والعصرية، طالما سماء العلم والبحث مفتوح في فضاء واسع، نتجرد من عواطفنا والميول المذهبية، فلنحقق التراث يجب القراءة بروية وهدوء وإنسيابية بأدواتنا لا بأدوات الآخرين وإن إستعنا بها لكن للفهم وللتوسع لا للإعتماد عليها، فالقدماء لهم زمانهم وزوايهم المحدودة بحسب المتاح آنذاك، في عصرهم، وفي عصرنا زوايانا لا حدود لها.

*كاتب وحقوقي كويتي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى