اقلام حرة

الرواية الكاملة ، شمص وأمهز وغيرهم من الحمدانيين وشيعة جبل عامل وجبل لبنان

الرواية الكاملة، شمص وأمهز وغيرهم من الحمدانيين وشيعة جبل عامل وجبل لبنان
بقلم: ناجي علي أمهز
تطالعنا يومياً مقالات يُزعم أنها تاريخية تتحدث عن حكم آل حمادة لجبل لبنان بالتحالف مع أقرانهم الحمدانيين. ويأتي بعض الكُتّاب ليجمعوا أسماء عائلات مختلفة تنتمي في الحقيقة إلى جذور وأنساب وبقاع عربية شتى، ليضعوا على رأسها عائلة حمادة الكرام، واصفين هذا المزيج بـ “التحالف الحمداني الذي حكم جبل لبنان”.

هذا الكلام غير دقيق بالمطلق، ولا يتطابق إطلاقاً مع حقائق التاريخ، ولا الجغرافيا، ولا السياسة، ولا حتى مع علم الأنساب.
أولاً، هذه العائلات الكريمة ليست حمدانية، كما بيّنا سابقاً في الجزء الأول من هذا المقال المعنون بـ “آل حمادة ليسوا حماديين أو حمدانيين”. وللتوضيح اللغوي والنسبي الحاسم:

آل حمادة الكرام: يُجمع اسمهم في التراث العشائري بـ (الحمامدة). وهم من نسب الصحابي الجليل هاني بن عروة المذحجي
الحمدانيون او الحمدانيين: هم (ورثة الدولة الحمدانية) التغلبية الوائلية.
الحماديون او الحماديين: هم (بنو حماد) في المغرب الإسلامي، وهم سلالة أمازيغية من قبيلة صنهاجة، ولا علاقة لهم بنسب القبائل المذكورة في الشرق.

إن العائلات الحمدانية الأصيلة المتحدرة من نسل الأمير الضحاك بن جندل بن حمدان التغلبي الوائلي (من آل ربيعة بن نزار، زعيم ووريث الدولة الحمدانية) هي: آل عمرو، آل الصغير، وأبناء عمومتهم لَزَمْ: شمص، أمهز، فرحات، حجولا، شريف، والعطار.

ماذا حدث في التاريخ؟
بعد مئة عام من سقوط حكم الدولة الحمدانية في الشمال، وتحديداً في عام 515 هجرية (الموافق 1121 ميلادية)، وإثر الهزائم المتعددة التي لحقت بالملك أبو منصور ظاهر الدين طغتكين (المشهور باسم طغتكين أتابك، صاحب دمشق)، أعلن الملك طغتكين تولية الأمير الضحاك بن جندل الحمداني إمارة وادي التيم والشوف. وكانت غاية طغتكين من هذه التولية هي وضع الحمدانيين في مواجهة مباشرة لصد الزحف الإفرنجي (الصليبي) الذي كان قد احتل مدينة صور.

عندما وصل الأمير الضحاك إلى وادي التيم، خاض وعشيرته حروباً عنيفة ضد الصليبيين عُرفت بـ “حروب بأس الحمدانيين” (أو “حروب يأس الحمدانيين” في بعض المرويات)، لكون هؤلاء الحمدانيين الشيعة قد وُضعوا في جغرافيا حرجة؛ وسطاً بين الإفرنج الذين يريدون القضاء عليهم من جهة، والدولة البورية في دمشق التي أرادت إبعادهم عن جوارها من جهة أخرى، فمنحتهم حكم وادي التيم كخيار حتمي: إما أن ينتصروا على الإفرنج، أو يقاتلوا حتى الموت.

هذه السياسة القائمة على “القتال حتى الموت” وضع هندستها الأمير الضحاك نفسه أثناء مفاوضاته مع الملك طغتكين؛ إذ أقنعه بهذه النظرية مبيناً أنه بحال تسلمه الإمارة والتوجه لقتال الإفرنج، فإنه سيضع فوارس الحمدانيين في منازلة مصيرية للدفاع عن وجودهم، وهي مهارات قتالية وإستراتيجية ورثها الأمير الضحاك عن أجداده الحمدانيين.

التزم الأمير الضحاك بتعهده، وحاربت العشيرة الحمدانية الإفرنج في وادي التيم وأطراف البقاع بكفاءة عالية حتى عام 1135م، مستفيدين من توازن القوى وترك أتابكة دمشق (آل طغتكين ثم أبنائه) حرية الحركة الكاملة لهم باعتبارهم خط الدفاع الأول عن المنطقة.

التغير الإستراتيجي وبناء “اتحاد الجبليين”
منذ عام 1135م، ومع ظهور بوادر الضعف وتراجع نفوذ الدولة البورية بدمشق أمام صعود عماد الدين زنكي في الشمال، ووفاة طغتكن 1128، التقى الأمير الضحاك بأبناء الملك طغتكين. وبفضل حكمته السياسية ودهائه العسكري، أقنعهم بضرورة مهادنة الإفرنج مؤقتاً. وكان دافعه في ذلك هو حماية أبناء طغتكين من التمدد الزنكي، وفي الوقت نفسه حماية الوجود الشيعي الذي بدأ يستشعر التضييق.

وفي لبنان، بادر الأمير الضحاك—استباقاً لوصول الخطر إلى إمارته ومع بدء استقرار ملامح الهدنة مع الإفرنج نتيجة استشعار الجميع لخطر “زنكي”—إلى تأسيس تحالف حمداني-مسيحي عُرف بـ “اتحاد الجبليين” (نسبة إلى جبل عامل وجبل لبنان). وبدأ بإرسال طلائع وأبطال الحمدانيين من وادي التيم نحو جبل لبنان، مستهدفاً استنساخ تجربة جبل عامل في إنشاء مراكز استطلاع وجبهات قتال متقدمة.

ما بين عامي 1135م و1150م، وصل من وادي التيم وجبل عامل إلى جبل لبنان ما يقارب 4000 شخص من الحمدانيين، كانت كبرى أعدادهم من أفخاذ آل شمص وآل أمهز، وكان من بينهم نحو 1500 فارس بقيادة أحد أبناء الأمير عمرو. سكن هؤلاء منطقة المعيصرة، ووزعوا بقية أقاربهم في القرى الوعرة المجاورة لتشكل معسكرات متقدمة ونقاط استطلاع. واليوم، عندما تنظر من المعيصرة إلى تلك القرى شديدة الانحدار والمطلة، تجدها تشكل نصف دائرة دفاعية ترتبط مع المعيصرة بطرق “أدومية” قديمة، كانت بمثابة شرايين للإمداد والمواجهة ضد أي خطر قادم من الشرق.

(ملاحظة: 4000 حمداني في تلك الحقبة يعادل مقايسة اليوم نحو 40 ألف إنسان، لأن مجموع سكان لبنان حينها لم يكن يتجاوز 200 ألف نسمة).

محطة التحول الكبرى عام 1146م
تمثلت نقطة التحول التاريخية في عام 1146 ميلادية، عندما اغتيل عماد الدين زنكي واستلم ابنه نور الدين زنكي الحكم في حلب، والتي كانت مدينة ذات ثقل شيعي تاريخي يصدح مئذنتها بـ “أشهد أن علياً بالحق ولي الله”.

وفي عام 1148م، حصل ما توقعه الأمير الضحاك؛ إذ أحكم نور الدين زنكي قبضته على حلب، وعزل القادة والقيادات الشيعية، وأوقف الأذان، وحل المدارس الحمدانية الشيعية مؤسساً مكانها مدارس فقهية بديلة، ووقعت اضطهادات واسعة بحق شيعة شمال الشام لم يبقَ منهم على إثرها إلا القليل.

وفي نفس العام (1148م)، توفي الأمير الضحاك (رحمه الله)، وأشاع خصومه في بلاد الشام أنه مات خوفاً من الملك العادل نور الدين زنكي، لكن الحقيقة التاريخية تؤكد أن الأمير الضحاك مات كَمداً وألماً على تاريخ أجداده وما حل بعشيرته وشيعة حلب.

وهناك رواية تقول انه بعد موت الامير الضحاك استطاع نور الدين زنكي ان يخضع حلب.

وفي الأعوام التي سبقت سقوط دمشق، حاول نور الدين زنكي إقناع أبناء طغتكين بإشعال حرب مع الإفرنج، ومطالبة الحمدانيين بشن حملات على الصليبيين في صيدا لإشغال موانئهم البحرية. رفض أبناء طغتكين هذا الأمر، وأرسلوا يشرحون لزنكي أن ضعف الموارد المالية ورفض الحمدانيين الانخراط في قتال غير محسوب بعد موت الأمير الضحاك وسقوط حلب، يفرض عليهم التريث. اتخذ نور الدين زنكي من هذه المراسلات ذريعة، فاتهم أبناء طغتكين بالتحالف مع الإفرنج، وشن حربه عليهم عام 1154م، مؤدية إلى سقوط الدولة البورية.

أكمل نور الدين زنكي زحفه متوجهاً نحو البقاع ووادي التيم، فقضت حملته العسكرية على الوجود السياسي الفعلي للحمدانيين هناك. ولم يعد أمام أبناء الأمير الضحاك وعشيرتهم خيار سوى تنفيذ خطة جدهم الاستباقية؛ فتوزع المقاتلون في قمم جبال لبنان وكسروان والشوف كـ نواة صلبة خاضت حروب استنزاف، بينما تراجعت مجموعات أخرى جنوباً نحو موطنها الجديد في جبل عامل.

من حملات المماليك إلى صعود آل حمادة
هذا التمركز والتحصن الشيعي في الجبل هو الذي مهد لاحقاً لسلسلة الحروب الضارية التي شنتها دولة المماليك على الشيعة وغيرهم في جبل لبنان (لكن المستهدف كان الشيعة بين عامي 1292م و1305م).

بعد تشتت القبائل الشيعية عقب حملة كسروان الثالثة (1305م)، حافظت المجموعات وعشائر الحمدانيين جبل لبنان الشمالي على بقائها عبر تنظيم نفسها في الجرود العاصية (مثل جبة المنيطرة، قهمز، ووادي علمات). ومع منتصف القرن الخامس عشر (حوالي عام 1450م)، وجد ولاة طرابلس في عهد المماليك الجراكسة أن إخضاع هذه الجبال عسكرياً أمر مكلف، فاعتمدت نيابة طرابلس سياسة “الالتزام الإداري والجباية”، وأوكلت إلى مشايخ آل حمادة القادمين من بلاد فارس — الذين تميزوا بالبأس والفروسية—مهمة ضبط الأمن وجباية الضرائب، وتمدّد صلاحيتهم من بلاد جبيل والبترول وصولاً لجرود كسروان.

وهنا يجب توضيح نقطة بالغة الأهمية: إن العائلات الحمدانية الأصيلة لم تقبل أبداً بالتقارب أو التماهي مع السلطة المملوكية الجركسية، وفاءً لدم الإرث التاريخي وما فُعل بالشيعة في حملات كسروان. نتيجة لهذا الموقف المبدئي، فإن المجموعات والأفراد الذين اختاروا السير تحت مظلة آل حمادة والاندماج في نظام جبيتهم تم إعلان استقلالهم وانفصالهم عن الأصل الحمداني وهم قلة من ال امهز وغيرهم من العائلات الحمدانية (وتحديداً من أفخاذ عائلتي شمص وشريف)، ولهذا السبب برزت عائلات وعشائر عديدة تُنسب لآل شمص كفروع مستقلة.

ظاهرة الانفصال الفردي مقابل الموقف العام: تماماً كما يحدث في عصرنا الحالي، حيث يمكن لعائلة كبرى تضم 5000 شخص أن يلتحق منها مئة أو مئتان بحزب أو تيار سياسي معين، فإن هذا الالتحاق الفردي لا يمثل الموقف الرسمي للعائلة ولا يعني أن العشيرة بأكملها دخلت في تحالف مع هذا التيار.

ملحمة آل أمهز و”شير البنات”
أما آل أمهز، فقد تجلى موقفهم العشائري الأصيل عقب المواجهات العنيفة التي خاضها آل حمادة ضد الأمير يوسف الشهابي (والي الجبل) في معركة “أميون” الشهيرة سنة 1770م؛ حيث تراجع آل حمادة ولجأوا إلى بلدة قهمز (قرية ال أمهز).

دافع آل أمهز عن ضيوفهم ببسالة وشرف تمليه عادات العشائر، واشتد وطيس المعركة مع تقدم القوات العثمانية والشهابية، مما دفع آل حمادة للانسحاب نحو أعماق البقاع والهرمل ونزح معهم قسماً كبيراً من آل أمهز.

أما من تبقى من عائلات آل أمهز في القرية فقد داهمهم الجيش العثماني وجنود الأمير الشهابي وقتلوا رجالهم. وهنا سُطرت الملحمة الكبرى؛ إذ رفضت النساء المحاصرات الاستسلام أو الوقوع في الأسر والمهانة، وتوجهن إلى أعلى جرف صخري شاهق في البلدة—يُعرف حتى يومنا هذا باسم “شير البنات”—ورمين بأنفسهن منه ليرتقين شهيدات، تاركات هذا الشير شاهداً تاريخياً أبدياً على منعة، وعزة، وفداء هذه العشيرة الحمدانية الوائلية.

نهاية الجزء الثاني التاريخي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى