
ان مشكلة القطاعات الأنتاجية اليوم في لبنان ولا سيما قطاع الصناعة ، الزراعة ، والخدمات كانت في فقدان الكهرباء بشكل عام والسبب الأساسي في فقدان الكهرباء ناتج عن عدة أسباب :
– الأول هو عدم توفر الأعتمادات لمؤسسة كهرباء لبنان بسبب تمنع مصرف لبنان عن تمويل عملية فتح هذه الأعتمادات لعدة أسباب منها عدم فتح أعتمادات أضافية في الموازنة ، ومنها عدم توفر السيولة بالعملة الأجنبية لفتح الأعتمادات .
– الثاني عدم وجود وتوفر المادة البديلة لأنتاج الكهرباء وهي مادة المازوت بسبب عدم أستيراد الكميات الكافية للسوق ولجوء تجار السوق لبيعها في السوق السوداء بأسعار مرتفعة جدا” .
– الهدر الكبير في مؤسسة كهرباء لبنان مما يجعلها تعمل بلا هدف ومؤسسة غير قادرة على الأستمرار نتيجة للعجز المتواصل والمحقق والذي راكم دين كبير مؤلف من أصل الدين وفوائد وصلت الى حدود 40 مليار دولار .
أن الأستمرار في تمويل مؤسسة كهرباء لبنان وبنفس الطريقة السابقة عبر سلف من الموازنة أو عبر فتح أعتمادات أضافية بموافقة أستثنائية يهدد الوضع المالي للدولة اللبنانية مجددا” ولا بد من العمل على التخلص من العبئ الكبير الذي تخلقه مؤسسة كهرباء لبنان نتيجة لسوء الأدارة وعدم أتخاذ القرارات الجريئة بأعادة هيكلة هذه المؤسسة والتي من المفترض أن ترفد الدولة اللبنانية بأيرادات لا أن تحملها مزيدا” من العجز ، وفي حال عدم القدرة على تحقيق ذلك ولأي سبب كان ، على السلطة السياسية أتخاذ القرار الجريء بالتخلص من هذه المؤسسة وخصخصتها .
أنعكاس عدم توفر الكهرباء على الطلب على المازوت :
من الطبيعي أن ينعكس عدم توفر الكهرباء من قبل مؤسسة كهرباء لبنان على مزيد من الطلب على مادة المازوت والمستعملة كبديل لأنتاج الطاقة الكهربائية ، ومع أضافة عامل التقنين القاسي الذي مارسه مصرف لبنان على أستيراد هذه المادة مما شجع على خلق السوق السوداء للتجارة بهذه المادة وأوصل أسعارها الى حوالي 500.000 ليرة للتنكة الواحدة فيما هي فعليا” لا تساوي أكثر من مئتي الف ليرة لبنانية بعد رفع الدعم بشكل كلي .
أنعكاس فقدان هذه المادة على كل القطاعات الأقتصادية :
نظرا” الى عدم قيام مؤسسة كهرباء لبنان بمهامها الأساسية وهي تزويد المواطن والقطاعات الأقتصادية بالكهرباء لأسباب متعددة ، أضطرت القطاعات الأقتصادية كافة الى أعتماد مادة المازوت بشكل أساسي لتوليد الكهرباء ، مما جعل حياة القطاعات الأقتصادية كافة مرهون بتأمين هذه المادة ، وجعل فقدانها مقتل لهذه القطاعات وهذا ما حصل في العديد من القطاعات ، ومنها :
– القطاع الصناعي : حيث أضطرت العديد من المصانع الى أقفال أبوابها وبالتالي توقف عجلة الأنتاج لعدم قدرتها على تأمين هذه المادة ولو بسعر السوق السوداء ، مما أدى الى تحقق خسائر كبيرة جدا” في هذا القطاع والمعول عليه أن يقوم بسد جزء أساسي من حاجات لبنان الأستهلاكية خاصة بعد أرتفاع أسعار السلع المستوردة من الخارج .
– القطاع الزراعي : هذا القطاع تضرر من ناحيتين ، الناحية الأولى وهي عملية ري المزروعات والتي تعتمد بشكل أساسي على الكهرباء لتشغيل أبار المياه ومحطات الضخ التي يتم أستعمالها في عمليات الري ، والناحية الثانية وهي عملية نقل المحاصيل الى الأسواق عبر استخدام الشاحنات الكبيرة والتي تعمل على مادة المازوت .
– قطاع الخدمات : وقد رأيناها بشكل واضح وفاضح في القطاع العام والخاص ، ففي القطاع العام رأينا كيف أن معظم المؤسسات العامة قد تم أقفالها بشكل جزئي نتيجة لعدم توفر الكهرباء ، وفي القطاع الخاص شاهدنا أيضا” كيف أن معظم المغتربين فضل أختصار زيارته الى لبنان والعودة الى الخارج لعدم توفر الكهرباء مما حرم المؤسسات السياحية من مدخول أساسي كان يعول عليه هذا القطاع لضخ المزيد من الدولارات في السوق .
هل رفع السعر الى 8000 حل المشكلة وهل لرفع الى سعر المنصة سيخفض الطوابير:
المشكلة متعددة لها جوانب عدة ، بعضها يتعلق بالسعر المعتمد ، وبعضها يتعلق بمن يمول عملية الشراء ، بالنسبة للسعر المعتمد فكلما أقتربنا من سعر السوق السوداء أي السعر الفعلي للدولار الأميريكي كلما انخفض حافز التخزين والبيع مقابل ربح في السوق السوداء ، فسعر 8000 ليرة للدولار الواحد المعتمد اليوم لتمويل عملية شراء المحروقات من الخارج لا زالت يملك الحافز الكبير والذي هو عبارة عن فارق يصل لحدود عشرة ألاف ليرة في الدولار الواحد وبالتالي فأن هذه التجارة لا زالت مربحة ، كما أن تحمل بعض المخاطر لا زال مقبول في سبيل تحقيق هذا العائد المرتفع .
أما بالنسبة للممول فلا زال مصرف لبنان هو الممول لدولار المحروقات وبالتالي هو من يحدد الكميات والأسعار ، أي أن السوق لن يكون مفتوحا” على الحرية الكاملة في شراء الكميات اللازمة من السوق العالمي لأشباع السوق المحلي ، وهذا يعني بالتقنين المعتمد من قبل مصرف لبنان وبسعر أقل من سعر السوق الفعلي ، سوف يبقى السوق متعطش للمزيد من الكميات للتخزين على أمل رفع السعر لاحقا” والأستفادة من فارق السعر ، مما يعني مزيد من الطوابير .
كيف يمكن المعالجة :
أثبتت التجربة أن سياسة الدعم التي أعتمدها مصرف لبنان وبالطريقة الفوضوية التي طبقت كانت خاطئة بالمطلق لعدة أسباب منها عدم وجود أليات رقابة تمنع التخزين والتهريب وبالتالي البيع في السوق السوداء فكان المستفيد الأكبر من هذه السياسة كارتيلات المحروقات ، ومنها ان سياسة الدعم لم تكن موجهة لمن يحتاجها فعلا” وشملت الغني والفقير لا بل كان للغني فيها حصة الأسد ، لذلك كا لا بد من وضع ألية خاصة لأيصال هذه السلعة لمستحقيها وهذا ما لم يحصل .
اليوم وبعد هذه النتائج والتي كانت مدمرة للأقتصاد ، والتي خسر خلالها مصرف لبنان أكثر من عشرة مليارات دولار من أحتياطي العملات الصعبة ، لا بد من أعادة النظر بهذه السياسة لوقف الهدر ورسم سياسة واضحة لمنع فقدان المواد الأساسية ومنها المحروقات من السوق ، ولا بد من أتخاذ خطوات مساعدة في هذا المجال ومنها :
– وقف نزيف مؤسسة كهرباء لبنان والي تستنزف ما لا يقل عن مليار دولار سنويا” عبر أتفاقات كالأتفاق الذي حصل مع العراق ، أو كالأتفاق المنوي عقده مع مصر بخصوص أستيراد الغاز المصري والذي يمكن أن يوفر الفاتورة النفطية لمؤسسة كهرباء لبنان بنسبة تزيد عن النصف ، لكن طبعا” مع أعادة هيكلة هذه المؤسسة لوقف الهدر الكبير في تكلفة الأنتاج ، النقل ، التسعير ، والتحصيل.
– أعادة تفعيل وأصلاح المصافي وبالتالي الأنابيب التي تصل الى لبنان وخاصة الأنبوب العراقي الذي يصل الى طرابلس ويمكن من خلاله تشغيل المصفاة لتكفي حاجة لبنان من المحروقات ، مما يخفض الفاتورة النفطية للقطاع الخاص بشكل كبير ويمكن من خلال توقيع أتفاقية تبادل خدمات مع العراق ان نوفر كامل قيمة الفاتورة النفطية .
– الأصرار على عمليات التنقيب على الغاز والنفط في لبنان وحث الشركات على القيام بواجباتها وفقا” للعقود الموقعة معها والمباشرة بعد تشكيل الحكومة الى أطلاق المناقصات لأعمال التنقيب في بقية البلوكات .
– بدء أطلاق مشاريع الطاقة النظيفة سواء منها الشمسية أو طاقة الرياح عبر القطاع الخاص مما يخفض الكلفة ويخفض من الفاتورة النفطية .
لكن يبقى السؤال هل ستسمح الولايات المتحدة وبعض الدول الأقليمية الحليفة لها بذلك ، وهل ستوقف الضغط على حلفائها في لبنان للوقوف في وجه الحلول المطروحة كما فعلت سابقا” من خلال تعطيل المناقصات وتعطيل أتخاذ القرارات الجريئة ، وبعض الأحيان الضغط على الشركات لوقف الأعمال ، وهل ستقبل الطبقة السياسية والتي تملك كارتيلات النفط في لبنان بهذه الأجراءات التي ستحرمها مصدر ثروة كبير جدا” .






