
هناك حيث الصمت يجيد الشرح والتعبير والصراخ والضجيج اكثر من اي كلام وسلاح آخراً ،شاهدوه،يحمل طاولة ليضعها في وسط شرفته المكشوفة على كل عيون الناس المندهشة،استغرق الوقت دقائقا طويلة لتتطابق النقطة المركزية للطاولة فوق النقطة المركزية للشرفة فوق النقطة المركزية لنضال عمره القصير .
قال المشاهدون ان امراً جللاً سيحصل،قال بعض الوافدين الجدد في زحمة العيون ان في الأمر عجب.
اختفى داخل بيته ليعود بكرسيّ خشبي عتيق ليضعه بعد دراسة خطوط طول وعرض المأساة التي حلّت بالبلاد بعد النكبة والنكسة وحرب تشرين وحصار بيروت وتحرير الجنوب و الوعد الصادق و طوفان الاقصى و أولي البأس،ليست مهمّة مستحيلة إنما أخطر من الصعب.
لا أهمية للوقت،استعان بالذكاء الاصطناعي،بكتب قديمة ودراسات حديثة،تمكن اخيراً من تثبيت الكرسي مع الاخذ بالاعتبار عوامل العواصف والمطر والغبار.
غاب من جديد داخل بيته،كثرت الناس برقابها المشرئبة فوق رؤوس واكتاف بعضها بعضاً حتى لا يفوتها اي تفصيل في مشهد قال أكثرهم ثقافة فيه انّه لا يحصل الا كل خمسين عاماً.
عاد حاملا بندقية سوفياتية إنما اكثر الناس طعنا بالسنّ وبالقهر والقتال والمواجهة واكثر بشرة الوجوه شبهاً بلون صخر قلعة شقيف ارنون انها تعود لزمن البلاشفة بينما اكثرهم فهما للتاريخ اصرّ انها بندقية من زمن الخلفاءالراشدين.
احتار بأمر جهة فوهتها،تارة يضعها باتجاه الجنوب و الشرق والشمال والغرب معاً وتارة أخرى باتجاه رأسه و السماء وباطن الارض ،ربما كانت مهمة تصويب البندقية على الطاولة من اكثر أسئلة الحاضرين حتى كاد البعض منهم ان يتشاجروا وان يراهنوا بالمال لمعرفة اتجاه البندقية الأخير.
لا قمار في المشهد.
قال أكثرهم ندوباً في الجسم والوجه من آثار رصاص وشظايا العدو الاصيل و سياط السجون الشقيقة واعمقهم فلسفة ان كل الاتجاهات صحيحة ومسموحة الا اتجاه البندقية صوب قلبه.
يجب أن يعيش.
هتف شبّان متحمسين يجلسون القرفصاء في أول صفوف الجماهير فرحاً عندما حسم امر اتجاه فوهة البندقية باتجاه شروق الشمس.
رغم الوقت الطويل لم يتذمّر احد من الحاضرين ،الجميع هنا تواقون بلهفة ان يعرفوا ماذا يحضّر صاحبنا ولماذا كل هذا الفن والعلوم والدقة والحرص والحذر.
بثياب وجزمة الفدائي جلس صاحبنا على الكرسي بعد حيرة وتردد وتكرار لتجربة الجلوس حرصا ان لا يكون ظهره مكشوفاً لغدر أقصى يمين الغابة وللوحوش الضوارٍ المغيرة والمموهة بأسماء قبائل عربية مرتدة ضد محمد(ص) .
رصاص العدو الأصيل اسلم من طعن الخناجر.
استقرّ على رأي اخير ان يجلس على النقطة المركزية لهذا الكون .
قطع الناس انفاسهم ،فتحوا افواههم،بينهم وبين الهدف الأخير لهذا الرجل ثوان معدودة،الأمر سيحصل الان،آخر حلقة من المشهد:
تناول سيجارة من علبة سجائر تبغ فلاحي أمريكا اللاتينية واشعلها ونفث دخانها بعمق وبهدوء وبقوة باتجاه الجماهير.
غاب المشهد عن الاعين، قال أكثرهم تجربة في الموت والشهادة والولادة ان المشهد واضح ولو تكثّف الدخان،قال:
تفاءلوا بإسم الفدائي الذي وإن غاب عاد لينطلق.
صبر ساعة،
ثأرهم قريب.
والله اعلم.
#د_احمد_عياش.
المقال يعبر عن رأي الكاتب وليس رأي الموقع، شكرا على المتابعة.







