اخبار سياسيةاقلام حرة

دراسة قانونية حول توصية مجلس النواب بإجراء التدقيق الجنائي.

 طرحت التوصية الاخيرة التي أقرها المجلس النيابي باجراء التدقيق الجنائي في جميع الوزارات والادارات العامة والصناديق والمؤسسات والمصالح المستقلة – رداً على رسالة رئيس الجمهورية – تساؤلات عديدة لدى المتابعين والمراقبين ورجال القانون حول توقيت اعلانها والغاية من هذا الاعلان وتأثيرها القانوني ومفاعيلها تجاه قانون السرية المصرفية الذي شكل العائق القانوني القوي الذي تذرع به حاكم مصرف لبنان بوجه شركة الفاريز ومارسال والذي منعها من اتمام مهتمها باجراء التدقيق الجنائي ثم دفعها لترك لبنان بعد فسخ العقد الموقع بينها وبين الحكومة اللبنانية بسبب تلكؤ السلطات المختصة بتسهيل مهمتها بحسب اسبابها المعلنة منها ما تسبب بخسارة لبنان مبلغ ٨٠٠ الف دولار تمثل الدفعة الاولى التي سددت للشركة دون جدوى …!

لقد انكر البعض على هذه التوصية اية قيمة قانونية او صفة الزامية واعتبرها وسيلة تذاكي من بعض القوى السياسية للتنصل من صبغة الاتهام لهم بتعطيل التدقيق بينما اعتبرها البعض مخرجاً و فتوى تشريعية قانونية لتعطيل مفاعيل السرية المصرفية و مدخلاً للعودة الى عملية التدقيق الجنائي دون اية ذرائع او عوائق قانونية .

وبين هذا الرأي وذاك وتضارب الآراء بين مؤيد ومعارض لتلك الخطوة ، نجد أنه من المفيد ان نستعرض النصوص والمبادئء القانونية التي تحكم هذا الموضوع لنبني عليه رأياً وخلاصة قد تغني النقاش القانوني حوله :

_ان المجلس النيابي يحق له ان يصدر توصيات او رغبات او تمنيات اضافة لوظيفته الرئيسية في التشريع واقرار القوانين ، وهذا الحق يجد اساسه القانوني في النظام الداخلي للمجلس النيابي السابق الصادر في العام ١٩٥٣ في المواد ٧٩ و٨١ منه حيث تنص المادة ٧٩ المذكورة على التالي:
” ان التصويت علي الرغبات والمقررات والتمنيات والاقتراحات في غير مشروعات اقتراحات القوانين والثقة بالحكومة يجري بطريقة …”
كذلك نصت المادة ٨٠ انه :
“يجري التصويت على مشاريع القوانين مادة مادة ….”
اما المادة ٨١ من نفس القانون فتنص انه :
“لا يقترع على الرغبات والتمنيات والاقتراحات المتعلقة بالسياسة الخارجية الا بعد درسها من قبل لجنة الخارجية”.
وايضا وايضا نصت الماده ٨٧ من النظام الداخلي للمجلس النيابي الصادر في العام ١٩٩٤ وتعديلاته اللاحقة عليه والتي عدلت بموجبها بعض نصوص القانون القديم والتي نصت انه :
“يجري التصويت علي التوصيات وسائر القرارات وسائر المواضيع الواردة في المواد السابقة بطريقة رفع الأيدي …”
بينما شرحت المواد ٨١ لغاية المادة ٨٦ من نفس القانون آلية التصويت على مشاريع القوانين والثقة والموازنة وغيرها من المواضيع التي في صلب مهام و اختصاصات السلطة التشريعية .

ولكن ،
وان كانت هذه التوصية قد صدرت عن سلطة تشريعية، او حتى حازت على اجماع اصوات النواب بعد التصويت عليها في المجلس النيابي ،
الا انها لا يمكن ان ترتقي لمرتبة القاعدة التشريعية الملزمة (بمعنى النص القانوني) الذي يسمح ويتيح تعطيل مفاعيل قانون السرية المصرفية الساري المفعول و الملزم تجاه الجميع وتجاه السلطات العامة ايضا بحسب نص المادة ٢ من قانون السرية المصرفية الصادر في العام ١٩٥٦ طالما ان شروط المواد ٧ منه والفقرة الثانية من البند ٤ من المادة ٦من القانون الرقم ٢٠٠١/٣١٨ والمعدل في العام ٢٠١٢ والمتعلق بمكافحة تبييض الأموال وجرائم الارهاب عبر هيئة التحقيق الخاصة في مصرف لبنان غير متحققتين حتى تاريخه وهما الاستثناءان القانونيان الوحيدان اللذان يتيحان التنصل من احكام السرية المصرفية .

ان تمييز المشترع في مواد النظام الداخلي للمجلس النيابي بين آليات التصويت على التوصية و تلك المتعلقة بمشاريع القوانين ، ينبىء بشكل صريح بنية المشرع باستبعاد التوصية من دائرة تصنيفها او تكييفها كقانون او وضعها بمصاف القاعدة القانونية .

ان آلية تشريع القوانين محصورة بطريقتين لا تشكل التوصية الصادرة عن المجلس النيابي وفقاً للطريقة التي صدرت بها احدى صورها مع الاشارة الي انه وفي نفس الجلسة التي صدرت خلالها التوصية جرى اقرار قوانين ما يؤكد ارادة المشترع الواضحة بتمييز التوصية الصادرة عنه عن القوانين التي أقرها والاكتفاء باعتبار تلك التوصية اعلان نوايا او رغبة او إثبات على حسن النوايا باجراء التدقيق تجاه الخارج قبل الداخل …
١_اقتراح القانون (proposition de loi) والذي يقدمه النواب وفق نص المادتان ١٠١ و١٠٢ من النظام الداخلي لمجلس النواب .

٢_ مشروع القانون (projet de loi) الذي تحيله الحكومة عبر رئيس الجمهورية على المجلس النيابي لمناقشته تمهيدا لاقراره بالارتكاز الى نصي المادتين ٥٣ و٥٨ من الدستور .
اذن إن التوصية او اية مقررات او مواقف ايا كان شكلها او موضوعها او تسميتها وحتى لو كانت صادرة عن المجلس النيابي بالاجماع وطالما انها لم تمر وفق هذين الممرين الالزاميين باتباع إجراءاتها فانها لا يمكن اعتبارها قاعدة قانونية ذات اثر وبالتالي لا يكون لها اي اثر او مفعول قانوني ملزم تجاه الغير .

أضف الى ذلك ،
_أن مبدأي الشرعية وتوازي الاشكال (parallelisme des formes) لا يسمح بتعطيل او تعديل او الغاء اي تشريع او قاعدة او نص قانوني يترتب عليه مفاعيل قانونية الا باعتماد نص مماثل مضاد ( acte contraire ) وفق نفس الطريقة و الاجراءات والاصول التي صدر بها ذلك التشريع او النص القانوني وعن ذات السلطة صاحبة الصلاحية او عن سلطة اخرى صاحبة إختصاص تصدر نصوصاً ذات قيمة قانونية أعلى من ناحية التراتبية وتسلسل القواعد القانونية ( دستور _قانون _مرسوم اشتراعي…) .

_ ان من شروط صحة القاعدة القانونية صدورها عن السلطة صاحبة الاختصاص بشكل مكتوب وبعبارات واضحة ومحددة ، كما تدرجها بمراحل متعددة (السن _الاقرار _الاصدار _النشر) لكي تصبح نافذة وملزمة على الجميع .

امام هذا السرد فان التوصية الصادرة عن المجلس النيابي لا تشكل قانوناً ولا تعفي القوى السياسية التي وافقت عليها من السير جدياً باقتراح قانون معجل ثم إقراره يسمح باجراء التدقيق الجنائي الشامل في مؤسسات الدولة وهيئاتها ومصالحها وصناديقها كافة يوقف مفاعيل التذرع بالسرية المصرفية في كل ما هو مرتبط بهذا التدقيق ومتطلباته ومتفرعاته ويعفي من المسؤولية المدنية والجزائية اية سلطة دستورية او جهة ادارية او شخص طبيعي او معنوي وطني او اجنبي يتولى عملية التدقيق هذه كما تعفي ايضا من المسوولية كافة الجهات او الادارات او اي شخص طبيعي او معنوي يقدم اية معلومات او مستندات لتسهيل اتمام اجراء هذا التدقيق الجنائي والوصول لغاياته المنشودة .

اما في حال تعذر اقرار هذا القانون او الامتناع عن السير به من قبل القوى السياسية فإنه وفي حال وجود النية الجدية والصادقة لإجراء هذا التدقيق والوصول به لغاياته المرجوة فإنه لا مفر حينها من أن تطلب الحكومة اللبنانية المستقيلة أو مدعي عام التمييز تبعا لصلاحياته تباعا من هيئة القضايا في وزارة العدل ومن ديوان المحاسبة والهيئات الرقابية ذات الصفة القضائية ، وكذلك من هيئة التحقيق الخاصة في مصرف لبنان باجراء التحقيقات والملاحقات القضائية بجرائم الاثراء غير المشروع او جرائم تبييض الاموال او الطلب من مصرف لبنان تقديم المعلومات عن جميع الحسابات المصرفية دون بيان اسماء أصحابها ا الامر الذي يسمح بتجاوز وتعطيل مفاعيل مخالفة قانون السرية المصرفية ، وخلال التحقيق وبعد التثبت من وجود شبهات في بعض الحسابات حول ارتكابات مالية تمس المال العام ، يمكن حينها اجراء الملاحقات القضائية الخاصة بتلك الحسابات ما سيسمح حتما بكشف اسماء اصحابها وملاحقتهم دون اثارة مسؤولية القائم بتلك الملاحقات وكل من ساهم بكشف المرتكبين .
وعسى ان تتجسد هذه التوصية بقانون يُعَبِّر فعليا عن ارادة وتطلعات اللبنانيين في كشف الفاسدين والمرتكبين واستعادة الاموال المنهوبة فلا تذهب تضحياتهم وصرخاتهم هباءً في وطن جريح يصارع من اجل البقاء .

بقلم عضو الدائرة القانونية لمجموعة الشعب يريد اصلاح النظام المحامي مازن احمد صفية .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى