أخبار العالم

معادلة الحسم واستنزاف هرمز: التكتيك الميداني في مواجهة الخطاب السياسي

كتب أكرم بزي

تستمر التطورات المتسارعة في الشرق الأوسط في إعادة رسم معالم الخريطة الجيوسياسية للدول الكبرى، وتضع الخطاب السياسي الأمريكي أمام اختبارات ميدانية معقدة تتجاوز حدود التصريحات الاستعراضية إلى ساحات المواجهة المباشرة. يبرز الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في هذا السياق عبر تقديم رؤية قائمة على مبادرة الردع المباشر وممارسة الضغط الأقصى، معتبرا أن الحزم السياسي والعسكري هو السبيل الوحيد لإعادة إرساء الاستقرار الإقليمي وحماية المصالح الحيوية للولايات المتحدة وحلفائها. ينطلق هذا الطرح من القناعة بأن إيقاف الطموحات الإقليمية والنووية لبعض القوى، وفي مقدمتها إيران، يمثل ضرورة وجودية ليس فقط لإسرائيل ودول الخليج العربي كالإمارات والبحرين والكويت، بل للمنظومة الأمنية الدولية التي تشمل أوروبا والعمق الأمريكي نفسه.
تتكامل هذه العقيدة السياسية مع التركيز الشديد على الممرات المائية الحيوية، وفي مقدمتها مضيق هرمز الذي يمثل الشريان الحيوي لتجارة الطاقة العالمية. يرى ترامب أن فرض السيطرة البحرية، وتأمين الملاحة الدولية، وتفكيك أجهزة التهديد العسكري بما فيها الألغام البحرية، يعكس نجاح الاستراتيجية الأمريكية في تحييد المخاطر وتقليص خيارات الخصوم، وتجريد النظام الإيراني من أدوات المناورة الاقتصاديّة بعد إيصاله إلى مرحلة الإنهاك. وفي الوقت ذاته، يربط هذا المنطق العسكري بنقد صارم للحلفاء التقليديين في حلف شمال الأطلسي “النيتو” ودول مثل كوريا الجنوبية، مؤكدا على ضرورة إعادة توزيع الأعباء المالية والعسكرية، ورفض استمرار واشنطن في تحمل تكاليف الحماية دون مشاركة فعالة ومعاملة بالمثل عند استحقاق الأزمات.
وهنا تحديداً يتقاطع هذا الخطاب السياسي مع قراءة استراتيجية حادة تذهب إلى فك الارتباط بين قدرة واشنطن على توجيه ضربات عسكرية حاسمة وبين قدرتها على تحقيق “انتصار استراتيجي” أو إنهاء الحرب. وتتلخص هذه الرؤية في أن واشنطن باتت تواجه ما يُعرف بـ “فخ التصعيد”، حيث تحولت استراتيجيتها الميدانية من محاولة إخضاع النظام الإيراني بالكامل إلى هدف أكثر ضيقا وتراجعا وهو “المنع والدفاع”، أي مجرد حماية الملاحة في مضيق هرمز وإبقائه مفتوحا. هذا التحول يمثل تنازلا استراتيجيا صريحا يفرض على القوات الأمريكية استهلاك مخزوناتها المحدودة من الصواريخ الاعتراضية والجاهزية العسكرية لمجرد تأمين الممر المائي، وهو ما ينعكس سلبا على قدرتها على الامتداد في مسارح دولية أخرى كآسيا.
إن جوهر هذا التحليل يتركز في مفهوم “الردع عبر العقاب” الذي تمارسه طهران؛ إذ تعتمد إيران على توجيه ضربات دقيقة لشبكة القواعد الإقليمية الأمريكية — كما ظهر في استهداف موقع الأردن ورصد منصات لارك — مرسلة إشارة مفادها أن الاستمرار في الإكراه العسكري سيُقابل بتكلفة مستمرة. وتأتي خطورة هذا الطرح من كونه يربط بين الميدان وبين الداخل الأمريكي؛ فإيران لا تحتاج إلى هزيمة الولايات المتحدة عسكريا، بل يكفيها تحويل الحرب إلى حالة نزيف وحبس أنفاس تؤثر على أسعار الطاقة العالمية قبيل الاستحقاقات الانتخابية. وبذلك يتبين أن الوقت قد لا يعمل لصالح واشنطن، وأن المتغير الحاسم في هذه المواجهة قد لا يكون التفوق التسليحي بقدر ما هو صبر الناخب الأمريكي ومدى قدرة الإدارة على تحويل التفوق الميداني إلى حسم سياسي ناجز.
١_ التصريحات والمواقف السياسية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن إيران، مضيق هرمز، وإعادة توزيع أعباء الحلفاء.
٢_ التحليل الاستراتيجي للبروفيسور روبرت بيب (سلسلة “فخ التصعيد” — 31 أغسطس/آب 2026).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى