اقلام حرة

مسدس الصداقة.

​ما زال ذاك المسدس الفضي يشغل بالي، كانت فوهته على قياس صدغي الأيمن، وكانت طلقاته الذهبية لا تخطئ الهدف إن انطلقت من مسافة ملاصقة لفروة رأسي.
الموت من مسافة صفر.
​ما زال الحنين لذلك المسدس المسروق من خاصرة لص أراد أن يسرق منزلاً فوجده فارغاً إلا من لص آخر سبقه وعَرَفه وتأكد من هويته، تقاتلا بشراسة كأخوين ثم أرداه قتيلاً.
هكذا تنتهي الصداقة.
​لم يسلبه حاجاته لأنه صديقه المفضل في عالم البؤس والتنافس والاحتيال.
قتله إنما خجل أن يسرقه، لم تسمح مروءته بذلك.
كان من واجب صديقه أن يطلق النار عليه وجهاً لوجه لأن اتفاقهما الأخير كان الاتفاق نفسه يوم كانا صغاراً وحلما أن يكونا مهندسين ليبنيا معاً قصراً للألعاب الإلكترونية.
قصر ألعاب أم ضريح، لا فرق.
​كان الاتفاق واضحاً: إن التقيا في لحظة بؤس وعوز أن تبقى الحياة لمن كان أسرع وأحنك وأجرأ وأكثر حكمة عند الشدائد وأقدر على تحمل تبعات الندم وارتدادات شعور الذنب؛ مَن أحب البقاء حياً واستطاع أن يكمل مهمة الصداقة الأبدية وحده.
ليس سهلاً أن تؤدي خدمة لصديقك بقتله من أجل سعادته.
​ما زال ذاك المسدس الفضي يشغل بالي، كانت نقاط دم القتيل ما زالت عالقة بين نتوءاته، واستحال نزعها حتى بماء الوجه البشوش لمؤمن طاهر متعبد وزاهد.
هنا الجميع يقتلون خدمة للوطن.
​الحنين فرصة ضائعة، فقد كانت فوهة المسدس على قياس صدغي الأيمن.
إطلاق النار من مسافة صفر يحسم الجدل.
​إن قررت أن تسرق فلا تقتل، وإن قررت أن تقتل فلا تسرق، أما أن تقتل وأن تسرق فذلك يعني أمراً واحداً فقط:
أنك من هذه البلاد.

داحمدعياش

هذا المقال يعبر عن رأي الكاتب وليس الموقع

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى