في وطن الحريات،هل فُتح باب جديد للتمييز؟

في زمن تتكاثر فيه الأزمات التي تضرب لبنان من كل أتجاه، يصبح واجب الدولة أن تنصرف إلى معالجة الملفات التي تهدد الأستقرار الأقتصادي والإجتماعي، لا أن تُفتح أبواب تشريعية جديدة تمسّ جوهر الحقوق والحريات، وتعيد إنتاج مناخ من التمييز والأنقسام داخل المجتمع اللبناني.
إن الدعوات إلى تعديل النصوص القانونية التي تفرض قيوداً على تولّي بعض المناصب في المؤسسات الإعلامية الخاصة بحجة ارتباطها بالجنسية اللبنانية تطرح أسئلة وطنية عميقة حول مفهوم الدولة الحديثة وحدود تدخل القانون في تنظيم الحريات. فالإعلام بطبيعته مساحة تقوم على حرية الكلمة وتعدد الأصوات، وأي تشريع يضع قيوداً إضافية على المشاركة فيه قد يتحول إلى أداة تضييق على الحريات بدل أن يكون وسيلة لحماية المصلحة العامة.
فالهوية الوطنية لا تُبنى بإقصاء الآخرين، والسيادة لا تُقاس بمنع فئة من التعبير والمشاركة، بل بقدرة الدولة على حماية حقوق جميع من يعيشون على أرضها، واحترام القوانين التي تكفل العدالة والمساواة. إن أختزال مفهوم السيادة بفرض قيود على أشخاص بسبب جنسيتهم أو أصولهم يفتح الباب أمام مقاربات تمييزية لا تخدم صورة لبنان الذي لطالما عُرف بأنه مساحة للحريات والتنوع.
وفي هذا السياق، لا يمكن تجاهل واقع اللاجئين الفلسطينيين في لبنان الذين عاشوا لعقود ظروفاً صعبة، وتعرضوا للكثير من القيود التي أثرت على حياتهم وفرصهم. إن تحويل أي نقاش قانوني إلى وسيلة جديدة لتقييد حضورهم أو إقصائهم عن مجالات العمل والإنتاج يشكل ظلماً إضافياً بحق شعب يحمل تاريخاً طويلاً من المعاناة، ويزيد من شعور التهميش بدلاً من معالجة القضايا بروح إنسانية ووطنية.
إن الدفاع عن حقوق اللبنانيين في فرص العمل والحفاظ على مصالحهم الأقتصادية أمر مشروع، لكن حماية هذه الحقوق لا تكون عبر خلق فئات محرومة من حقوقها الأساسية، ولا عبر بناء جدران قانونية بين الناس، بل عبر سياسات إقتصادية عادلة تعالج البطالة وتحمي المواطن اللبناني من الأنهيار.
أما الإعلام، فهو المجال الذي يفترض أن يكون آخر ساحات التضييق، لأنه صوت المجتمع ومرآة الناس. وعندما تُفرض قيود على العاملين فيه أو تُحاصر حرية المشاركة والتعبير، فإن الخاسر الأول تكون الدولة نفسها، لأن الدول القوية لا تخاف من تعدد الأصوات، بل تخاف من غياب العدالة وانتشار الأحتقان.
وفي مقابل هذا الجدل، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً؟أين وزارة الإعلام من الفوضى الحقيقية التي تضرب المشهد الإعلامي والرقمي في لبنان؟
لقد تحولت منصات التواصل الإجتماعي إلى ساحات مفتوحة للتحريض السياسي والطائفي، ونشر خطاب الكراهية، والتشهير، وبث الشائعات، من دون وجود إجراءات واضحة توقف هذا الأنفلات. صفحات ومنصات تمارس التحريض بشكل علني، وتستهدف أفراداً وجماعات، وتدفع المجتمع نحو مزيد من الأنقسام، فيما تغيب المحاسبة ويضعف حضور الدولة.
إن حماية حرية التعبير لا تكون عبر تقييد فئات معينة أو التضييق على أصوات مختلفة، بل عبر مواجهة التحريض الحقيقي الذي يهدد السلم الأهلي. فالحرية حق، لكنها تحتاج إلى مسؤولية، والقانون يجب أن يحاسب من يزرع الفتنة لا من يختلف في الرأي.
لبنان يحتاج اليوم إلى دولة تحمي مواطنيها وتحفظ حقوق المقيمين على أرضها، دولة تواجه الفوضى والتحريض، وتستعيد ثقة الناس من خلال العدالة لا من خلال القيود. فالقوانين التي تمس الحريات والحقوق تحتاج إلى نقاش وطني واسع، لأن قوة الدولة لا تأتي من إغلاق الأبواب، بل من قدرتها على حماية الجميع تحت سقف القانون.
هذا المقال يعبر عن رأي الكاتب وليس الموقع
نضال عيسى



