Uncategorized

الدكتور فارس سعيد… ولبنان الذي أخشى عليه

M
بقلم: ناجي علي أمهز
وصلتني اليوم عشرات الرسائل، تجاوزت العشرين، وكلها تحمل تغريدة للدكتور فارس سعيد يصف فيها حزب الله بأنه “وقح” لأنه يشكو من “وصاية أميركا على لبنان”. ولم تكن الرسائل مجرد نقل للتغريدة، بل كانت محملة بأسئلة وعتب، وأكثرها جاء من أصدقاء شيعة، حتى إن أحدهم كتب لي باللهجة اللبنانية: “شو بالع لسانك؟ وين التعايش ودايماً بتقلنا حبوا بعض.”

توقفت عند الأمر، لا بسبب التغريدة، بل لأن الدكتور فارس سعيد، في السنوات الأخيرة، اعتاد أن يعارض حزب الله بلغة سياسية، كما لم يكن يلجأ إلى مفردات حادة من هذا النوع ايضا منذ سنوات.

لكن القضية بالنسبة إليّ لا تبدأ عند الدكتور سعيد، ولا تنتهي عند حزب الله.

لقد أمضيت سنوات أكتب، وأحاور، وأختلف، وأقترب وأبتعد، لا دفاعاً عن حزب، ولا عن طائفة، بل دفاعاً عن فكرة أؤمن أنها آخر ما تبقى للبنان: العيش المشترك. ولم يكن ما كتبته يوماً تبريراً لسياسات الثنائي الشيعي، كما لم يكن انحيازاً إلى الموارنة، بل انطلق من اقتناع بأن لبنان لا يستطيع أن يبقى لبنان إذا تحولت طوائفه إلى متاريس متقابلة.

ومن يعيش في جبيل وكسروان يدرك أن هذه البقعة ليست مجرد جغرافيا، بل تجربة لبنانية نادرة. هنا لم تصنع الجيرة بين جماعتين، بل صنعت ثقافة تعايش يومية، جعلت الاختلاف أقل أهمية من الاعتياد على الآخر. وهذه نعمة لا يجوز التفريط بها، لأنها لم تُبنَ بالسياسة وحدها، بل بقرون من التراكم الاجتماعي والإنساني.

ولذلك كنت أفهم، وربما أكثر من كثيرين، حرص الكنيسة المارونية التاريخي على فكرة لبنان، لا بوصفها امتيازاً لطائفة، بل باعتبارها ضمانة لجميع الطوائف. وأفهم أيضاً حاجة الشيعة في هذه المنطقة إلى الاستقرار، لأن الاستقرار هنا ليس مطلباً سياسياً فحسب، بل شرطاً لاستمرار هذا النموذج اللبناني الفريد.

ولست وصياً على أحد، ولا أدّعي امتلاك الحقيقة. لكنني تعلمت أن محبة الموارنة لي لم تأت لأنني قلت ما يريدون سماعه، بل لأنهم وجدوا فيّ عصبية للبنان لا تقل عن عصبيتهم له.

فالهوية اللبنانية، عند الموارنة، ليست شعاراً سياسياً، بل تكاد تكون “دين” وغريزة وجودية ثقافية. هم متعلقون بهذه الأرض كما يتعلق الإنسان بروحه. ولذلك تمسكوا بلهجتهم اللبنانية، ليس جهلاً باللغة العربية، وهم من أكثر من خدمها علماً وأدباً، بل لأنهم رأوا في اللهجة امتداداً لشخصية لبنان، تماماً كما رأوا في المدارس والأديرة جسوراً لحماية العربية نفسها، حين أوصوا منذ القرن السادس عشر بأن يُعلَّم الأولاد حب التقوى وصفوة اللغة العربية.

هذه المفارقة وحدها تكشف معنى لبنان؛ أن تحب العربية دون أن تتخلى عن لبنانيتك، وأن تتمسك بخصوصيتك دون أن تعادي محيطك.

ولهذا أيضاً كنت أجد دائماً لدى كثير من القيادات والشخصيات المسيحية، السياسية والثقافية والاجتماعية، استعداداً نبيلاً لمراجعة الكلمات قبل إطلاقها، واحتراماً كبيراً للعقل قبل الانفعال. كم من مرة عُدِّلت عبارة، أو حُذفت كلمة، أو استُبدل تعبير، حفاظاً على حسن الجيرة، وإيماناً بأن الكلمة قد تهدم ما تعجز السياسة عن ترميمه.

ففي النهاية، غالبية النخب المسيحية لا تقيس الإنسان بما يملك، ولا بما يشغل من منصب، بل بما يضيفه إلى الثقافة اللبنانية من فكر، وما يحمله من معرفة، وما يقدمه للوطن من خدمة.

فإذا دعوت الشيعة والموارنة إلى محبة بعضهم بعضاً، فلا أرى في ذلك انتقاصاً من انتمائي إلى أي منهما، ولا خيانة لأي قضية. إن الدعوة إلى اللقاء ليست جريمة، ولا ينبغي أن تتحول، في لبنان، إلى تهمة.

لكنني أيضاً إنسان، ولست مؤسسة.
لقد حاولت، بما أملك من قلم وعلاقات وتجربة، أن أرمم ما استطعت من شروخ. غير أن في جبيل وكسروان آلاف الشيعة، وهم أولى مني بالدفاع عن قضاياهم إن أرادوا ذلك، وكثيرون منهم يعيشون أوضاعاً مستقرة، انصرفوا إلى أعمالهم، وإلى بناء مستقبل عائلاتهم، بينما اخترت أنا أن أنصرف إلى الكتابة، وأن أستهلك عمري في معركة الكلمة لاجل لبنان ووحدته.

ولا أمنّ على أحد بذلك، فكل إنسان يولد على فطرة يختارها الاله له.
لكنني، للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، أشعر أن من حقي أن أتوقف قليلاً.

فمنذ عام 1988، وأنا أعيش معركة لبنان؛ دفعت أثماناً في مواجهة الوصاية السورية، وتشردت بينما كان آخرون يرتبون مستقبلهم، وخضت معارك ضد الانقسام الطائفي، فيما كانت الطائفية نفسها تصنع الشهرة والثروة والنفوذ لكثيرين.

ربما أخطأت، وربما أصبت. لكنني أعرف شيئاً واحداً: أنني لم أساوم يوما على لبنان الذي آمنت به بنفس ايمان القديسين والكنيسة والشهداء به، لاي طائفة انتموا.

“ذو العقل يشقى في النعيم بعقله” أما في لبنان، فإن صاحب العقل لا يشقى لأنه يفكر فحسب، بل لأنه يرى ما يمكن أن يكون عليه الوطن، ثم يراه كل يوم يبتعد عنه.

لا أدّعي الحكمة، ولا أزعم أنني أكثر الناس فهماً، لكنني أقولها، بعيداً عن أي بلاغة أو ادعاء:
لقد تعبت ولم اجد من يمنحني يوما الامان او حتى السؤال.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى