اقلام حرةمقالات

الأمانة والتحدّيات لصناعة المستقبل المشرق

د. عبدالله عيسى

تصدّرت العقيدة الثوريّة الآفاق بمقولاتها، “نحن قادرون”، “إبدؤوا من الصفر والتوفيق يوافيكم في الطريق”، وعند مواجهة المعضلات والإصابة بهائل التضحيات “الله في الساحة”، وترجمت وقائعها في مسيرة حزب الله تحريرًا وصمودًا واقتدارًا، وشهدت أصداءها في مختلف البلاد التي تساندت، وأخذت تتبلور مع منتصف العقد الأخير بالتدرّج بعنوان “جبهة المقاومة”.
من نافل القول إن قراءة سياقات المقاومة وفقًا لهذه العقيدة، تفيد على الدوام أن لا معنى للهزيمة إلا بالتسويق لها، ولا معنى لعدوى اليأس إلا بممارسة جريمة التيئيس. وإلا فإن هذه المسيرة لا تواجه إلا النصر أو الشهادة، وهذا ما قاله سيّد شهداء الأمّة السيّد حسن نصرالله: “عندما ننتصر ننتصر، وعندما نستشهد ننتصر”.
هذا الأمر، يتكامل مع أدوار القائمين على أداء تكليفهم، ومن يقوم بتكليفه يقلّبه دائمًا بتقييمه، فيرى أوجه القصور والتقصير، فيحتّم على المؤمنين القيام بكل ما أوتوه من قوّة، وأن يعدّ لهم مجتمعهم ما استطاع منها بكل عناصرها ومفاعيلها.
وأمام الواقع المعقّد، وحجم العدو وتفوّقه المادي والتقنيّ واجتماعه على باطله بقلوب شتّى، تشخص مجموعة من المسؤوليات دفعةً واحدة، ويمكن إيجازها، بـ:
– أمانة حفظ التضحيات الاستثنائيّة كمًّا ومكانة في جبهة المقاومة ومجتمعاتها، وعلى قدر التضحيات يكون التصميم قدمًا في عرقلة وتأخير مخطّطات الأعداء والعبث بجدول همجيّتهم تكتيكيًّا واستراتيجيًّا.
– أمانة ملء فراغ القيادة وحفظ السياق التاريخيّ التصاعديّ والتعويض عن ثقل الخبرات العميقة والروابط الهامة، بالتكامل الاستشاري الصارم، وتفعيل التعاون الاستثنائيّ وإلغاء العوائق والحواجز ضمن درجات أعلى من السريّة والكتمان. ولا يكون هذا إلا بالإنصاف للقائمين على التجربة وانفتاحها على ضخ روح جديدة بإبداع احترافيّ فعّال، واتخاذ خطوات بنيويّة سريعة تأخذ في عين الاعتبار مفاجأة العدو وبعثرة معلوماته وتوقّعاته، لا الترميم في ضوء البنية السابقة وخسائرها البشريّة والفنيّة فحسب، فالحاكم على المرحلة هي السيناريوهات التي تحرص على سبق العدو بخطوة على الرغم من اختلالات القدرة.
– أمانة الوفاء للصمود الإعجازيّ الكبير والفعل المقاوم الخطير ومنسوب الانجازات غير المسبوقة في مختلف الجبهات، وإجراء القراءة الكليّة الإيجابية لحواصل الجهد المقاوم على امتداد جبهة الكرامة والمقاومة، من عملية طوفان الأقصى وحاصل العمليّات النوعيّة للمقاومة الفلسطينيّة، وحاصل الفعل المقاوم اللبنانيّ من الإسناد إلى أولي البأس، وحاصل التأثير الرمزي والاقتصادي والعسكري والأمني لليمن العزيز والمقاومة العراقيّة، وحاصل عمليّات الوعد الصادق الإيرانيّة، وتحليل تلك النتائج في ضوء ما يسهم في انهيار الكيان من داخله وبتفاعله مع الفعل المقاوم الاستنزافيّ المستمر، والعوامل الخارجيّة المؤثّرة.
– مواجهة التحدّيات الراهنة والمستقبليّة المتوقّعة، وهو ما يتطلّب إدراكًا عميقًا للحظة السياسيّة والاقتصاديّة والأمنيّة من بوابة التصميم على المواجهة في الميادين والأبعاد والعوامل كافة مقابل أجندة التوسّع للهيمنة الأميركيّة والسيطرة الإسرائيليّة ومحاولات تحقيق الازدهار عبر القوّة في المنطقة، في سياق إعادة تعريف المفهوم الأمني الإسرائيلي، وعدم الرهان على الوقت الذي قد يفاقم تلك التحدّيات كمًّا وكيفًا. وهذا ما يستلزم عدم الاقتصار على الاستشراف بل القيام بعمليّات التنبؤ العكسي، فتكون صانعًا مضاربًا لا منفعلًا ينتظر ما يحدث له أو إطفائيًّا خاملًا عن إشعال الحرائق المتنقّلة والضرب بيد من حديد في عواصم يستناب عنها في الأعمال القذرة، كما عبّر المسؤول الألمانيّ إبّان الهجوم العدوانيّ الغربي الأميركيّ الإسرائيليّ على الجمهورية الإسلاميّة الإيرانيّة قلعة المقاومين في العالم.
– مسؤولية تقديم الرواية المحكومة للضروريّ من الوقائع بشفافيّة مسؤولة تحفظ الأمن القومي لجبهة ومجتمعات المقاومة بالتلازم الحاسم مع الفعل الذي ينتج وقائع جديدة، من داخل ومن خارج توقّعات الأعداء، تكتيكيّة واستراتيجيّة، بميادين ومستويات ومراحل ومديات زمنيّة مختلفة، لا الاحتباس في صياغة ما مضى فقط، فالفعل المقاوم والآثار المشهودة أصدق إنباء من الكتب.

إنها حرب الوجود التي لا ينفع معها توسّل النقاط على أرصفة الإجرام العالميّ، فالقدرات وجدت لتأخذ مسارها إلى تفكيك قناعة العدو بالتفوّق على الرغم من التفوّق، وإلى استلاب إرادته بالقتال على الرغم من قدرته عليه. إذ لا شيء يستحق الوجود عندما تهدّد فكرة المقاومة من أساسها، فضلًا عن بنيانها وانتظامها وأعلى هرمها القياديّ، فاللعب بوقت الجماعات والمجتمعات غير مفيد، هو عين الإفساد في الأرض، وقد دأبت ما يسمى بالحضارة الغربيّة على ممارسة أفعال الإبادة والتهجير والتوطين والفتن المحمومة والمتنقّلة بين سيف الاقتصاد ومكر السياسة ونار الحرب على الوعي والإنسان والإنسانيّة، ولا عبادة كالجهاد المفتوح لصناعة السلام من دون استسلام، كتوحيد عمليّ في تحطيم صنميّة الغرب وشرهه للدماء.

المقال يعبر عن رأي الكاتب وليس رأي الموقع، شكرا على المتابعة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى