
سموّ ورفعة أي وطن بإلغاء العصبية المذهبية
عبد العزيز بدر القطان*
مهما حقق الإنسان من رفعة وعز ونصر، إن لم يكن موجهاً للجميع، يكون قد فقد الكثير من مضمونه ومن شيعته ومناصريه، فقط إن تم تعميم التجربة على الجميع “إنسانياً” و”وطنياً” يكون هذا الزعيم أو هذا العالِم أو هذا الرئيس أو الشيخ أو أياً كان منصبه، سيكون الأثر محفوراً إلى أبد الآبدين.
هذه الحقائق لا أخجل من تكرارها على أهميتها، خاصة عندما يغيب الموت أحداً في أي مجال كان، نجد الرحمة محصورة بمن هم يعتنقون مذهبه، متناسين أن الموت جعل الناس سواسية، وفي يوم الحساب لن يكون هناك بوابات عبور، للطوائف بل سيقف الجميع أمام ربه، بما حملت صحيفته وبما فعل، وهنا لا أحاكم الإنسان والمواطن العادي المغلوب على أمره، بل هذا الأمر جاء نتيجة موروث جاهل تشرّبه منذ الصغر، لغسل دماغه، والتحكم فيه، فمن جهة الدين هو منقذ الشعوب إن تم إستخدامه بالتعليم الصرفة المحقة، أما إن إستخدم لغايات دنيوية ضيقة، فهو كالمقولة التي تقول “الدين أفيون الشعوب”، وللأسف أقولها بحرقة أن بلادنا المسلمة “ظاهرياً” أغلبها تنتهج الدين كوسيلة لتحقيق مقاصد ضيقة وأنانية من خلال التحكم بالبسطاء.
تقول لي، إن الدين أساس وقوام المجتمعات، أجيبك نعم، شرط فهم الدين الحنيف، وتطبيقه تطبيقاً ينصف ويعدل ويساوي بين الجميع، وتقول لي إن الإستعمار الغربي شوّه الدين، وهذا صحيح لكن بأيدي من؟ بأيدينا نحن المسؤولون أمام الله وأمام شعوبنا، لا يمكن لتقسيم أن يتم ولا لخلاف أن يحل إلا وأحدنا السبب المباشر فيه، فالإستعمار فهم نقطة ضعفنا وإستغلها، وعلى أساسها قام بما قام وفعل ما فعل.
كنا بلاد قوية، وكنا من ذوي الحضارات العريقة، لكن الفرق أننا نقف على أطلال وأمجاد التاريخ، وحاضرنا تم تشويهه من خلال تغلغل النفوس الضعيفة بيننا، فنحن في الحقبة الرابعة من نشأة الحضارات، التي أنشأت الأوبئة وجعلت الذكاء الإصطناعي أساس مكان البشري، جعلت الحرب البيولوجية المبطنة سلاح فتاك لتدمير الشعوب، وجعلت الأوبئة مسار جدل هل هي ذات منشأ طبيعي أم صناعي، فكيف سندخل حقبة جديدة ونحن لم نخرج من صراعات قبلية عمرها أكثر من ألف عام، ولا زلنا نقول ذاك شيعي وذاك سني واك وذاك!
إحكم بتجرد وإقرأ بتجرد، مثلاً هنا أود أن اطرح مثالاً مهماً، الزعيم القائد “محمد علي جناح 1876 – 1948” الشخصية المثيرة للجدل، وصفه عباس محمود العقاد كتابه الشهير “القائد الأعظم محمد علي جناح”، قال في مقدمته: “إننا نقدم صورة من صور العظمة الإنسانية، ودرساً لا نظير له في فلسفة التاريخ، أو فيما نسميه العوامل التي نتطلع إليها من وراء حركات التاريخ”.
ولن أغوص في تفاصيل ما قام به، فهي للراغبين موجودة وبكثرة، لكن أن يغفل البعض كل ما قام به، والإرث الكبير الذي تركه، ليكون أصله ومذهبه هو الشغل الشاغل للبعض، وهذه الزعيم توفاه الله منذ العام 1948، إلا أن نقطة الخلاف لدى قشور البشر، وهذا مصطلح جديد أستخدمه لأول مرة، حول هل كان هذا الزعيم إسماعيلياً شيعياً؟ نعم هو كان شيعياً يرجع إلى إمامة إسماعيل، أحد أبناء الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام، ورغم ذلك تخرج ثلة تقول إنه كان شيعياً ويرى آخرون أنه كان سنيّاً، هذا الرجل مهم وله باع طويل في تاريخ باكستان السياسي لكن يجب التنبه إلى أن ما قام به لم يكن لوحده في هذا العمل النضالي، وهذه حقيقة، فدائماً هناك جمهور خلف الكواليس لأسبابٍ ما مغيبين بطلبٍ منهم أو بدون قصد، العلم عند الله سبحانه وتعالى، النقطة التي أريد توضيحها، أن أي عمل نضالي وبطولي، سياسي أو ميداني أو إقتصادي، مشاريع كبيرة لا يحققها فرد، إنما جماعة بروحٍ واحدة وقلب واحد وغاية وهدف واحد.
محمد علي جناح المحامي والسياسي الكبير وأحد مؤسسي المؤتمر الوطني الهندي، نقل باكستان إلى دفة الأمان، مع رفاقه في ذاك الوقت، وكان رجل وحدة ينادي إلى وحدة الهندوس والمسلمين، ومعلوم أن ذلك تم بعد نزاعات طائفية كبيرة بين الأقاليم الإسلامية آنذاك، من تواطؤ البريطانيين وبعض الهندوس وهذا موثق، وذلك لوأد أي قوة إسلامية تستطيع إفشال مخططاتهم الإستعمارية المشابهة لواقع اليوم في بلادنا العربية دون إستثناء.
ما أريد أن أقوله، إن محمد علي جناح، لم يوظف المذهب الذي ينتمي إليه بالقضايا السياسية التي كان يحاول إصلاحها، رغم دوره الكبير في تأمين المسلمين ككل، لا مذهب على آخر، بل كان يخدم الوطن ككل، كان يرى “باكستان” قوية فكل المسلمين فيها أقوياء، والدليل على ذلك، عندما توفاه الله، ضمت صلاة الجنازة له من كل الطوائف، ولم تقتصر على مذهب واحد أو لون واحد، وهذا هو الفرق.
أما في أيامنا الحضارة، هناك إستغلال وتوظيف للدين من خلال الطائفية، من خلال إسقاط مفردات هجينة لإثارة النعرات، التي دورها الأول تفتيت المجتمعات من الداخل وحتى الخارج، وما من تقسيم ناجح إلا بهذه الأداة، التي توفقت للأسف على الآلة العسكرية في العصر الحديث، نتيجة وجود وقود من المسلمين المختلفة مشاربهم على كثرتها، لكن خدم لمن؟ طبعاً وحده الإستعمار المستفيد، وهذا ما لا نجده اليوم في الغرب الأوروبي أو الأمريكي، كإقتتال مثلا بين الكاثوليك، والأرثوذكس، حتى هنا، نجد هناك خلافات مبطنة بعكس الغرب، الذي إستفاد من آخر حروبه الصليبية ووظفها لبناء أوطانه، وجعلها سلاحاً فتاكاً في المجتمعات الإسلامية وهذه حقيقة.
خلاصة القول، إن القائد الإسلامي محمد علي جناح لم يوظف مذهبه لصالح مذهبه، إنما كان يعمل لصالح الإسلام والمسلمين ككل، فكان يحترم الدين وعلماءه ويتواصل مع الجميع أياً كانت طائفته.
إن إختياري لهذه الشخصية الإسلامية، فقط لأسقطها على واقع بلادنا الإسلامية والعربية المستهدفة في قلبها، فلا يمكن أن تقوم قائمة لهم إن لم يضعوا الصراعات الطائفية خلفهم، والإلتفات إلى بناء مجتمعاتهم من خلال الوحدة، وحدة الدين من حيث التعامل، ووحدة التعامل كما يريد الدين، الترفع عن القبلية والعشائرية والمذهبية، لنبني مجتمع صحي ينهض مجدداً، قوة إسلامية تعيد أمجاد الأمة كما في قديم الزمان.
كاتب ومحامي كويتي ??






