اقلام حرة

ترسيم أم تطبيع أم تفاهم :

 منذ لحظة اعلان لبنان رسميا عن موافقته على الورقة التي اعدها الوسيط الأميركي لترسيم الحدود البحرية بين لبنان وفلسطين المحتلة وفض النزاع بين لبنان والعدو الأسرائيلي وأعلان المقاومة على لسان امينها العام مباركة هذا الأتفاق وأعتباره نصرا جديدا للبنان يضاف الى سجل انتصاراته تعالت الأصوات مشككة بموقف المقاومة معتبرة هذا الأمر بمثابة اعلان صريح منها بالأعتراف بأسرائيل في حين ذهب البعض أبعد من ذلك معتبرا ان تهديد المقاومة لم يكن سوى مسرحية متفق عليها ايرانيا واميركيا لتمرير الصفقة معتبرا ان ما حصل هو هزيمة للبنان وانتصار للكيان وبأن هناك تفريط في الحقوق اللبنانية المتمثلة في الخط 29 لمصلحة اسرائيل ولكن الغريب في الأمر والذي يضعف منطق هؤلاء هو ان الرؤساء الثلاثة ومعهم قيادة الجيش هم من اشرفوا على هذه المفاوضات ودققوا بكافة تفاصيله في حين ان المقاومة كانت تراقب من الخطوط الخلفية فلماذا تركز الهجوم على
حزب الله والرئيس عون دون التوجه بكلمة ملامة للرئيسين بري وميقاتي او التشكيك بوطنيتهما علما ان ميقاتي هو من اعتمد الخط 23 ورفض اي تعديل له وبري قدم اتفاقية الأطار التي تحوي اقتراح الوسيط الأميركي التي تعطي لبنان 55% من حدوده في الخط 23 بينما ما حققه الرئيس عون هو كامل مساحة الخط 23 مضافا اليها حقل قانا كاملا مما يعزز على الاعتقاد بأن هذه الجوقة تضلل الرأي العام خدمة لأهدافها السياسية لا لمصلحة اقتصادية وطنية والا فكيف تفسر لنا استبعاد معنيين مباشرين بالأتفاق من دائرة الأستهداف .
هذا من جهة ومن جهة اخرى فأن هؤلاء يدركون ان المفاوضات مع العدو تدور حول الخط 23 بعد ان اعلن الرئيس عون بأن الخط 29 هو خط تفاوضي فلماذا ارتفعت اصواتهم معترضة على مسيرات المقاومة واعتبروها
معرقلة لعملية التفاوض وهو ما ثبت عكسه لاحقا ولو كانوا حقا متمسكين بالخط 29 لكانت أسعدتهم المسيرات لأنها تسير فوق كاريش ذلك الحقل الذي اصبح فجأة لدى هؤلاء من حقوق لبنان المكتسبة علما ان حصتنا فيه بسيطة أخذنا مقابلها حقل قانا كاملا ولكنهم اعترضوا على المسيرات وعلى تدخل المقاومة وعدم استفزاز الأميركي الذي يعتبرون مواجهة املاءاته عملية انتحارية فما كان من المقاومة الا اخلاء الساحة امام المفاوضين بعد ان تأكدت بأن رسائلها النارية وصلت وبأن المفاوض يضعها على الطاولة
فكيف يحاول هؤلاء اقناع جمهورهم الأن بأن المقاومة قدمت تنازلات او قبلت بشروط لمصلحة العدو انها لمعادلة عصية على الفهم خاصة وأن رأس حربة هذه الجوقة اي القوات اللبنانية اعترفت بأن لبنان قد حقق انجازا تاريخيا لكنها ترفض الأعتراف بفضل الرئيس عون والمقاومة بتحقيقه وهذا أمر غير ذي أهمية فشهادة القوات غير مقبولة لا سياسيا ولا قانونيا .
اما ثالثا وهو الأهم فأن هذه الجوقة التي تسوق لفكرة ان المقاومة تخلت عن عدائها لأسرائيل وبأن ما قامت به هو عملية تطبيع مقنع هي ذاتها التي تناصب العداء للمقاومة بحجة انها تستخدم سلاحها بوجه اسرائيل خدمة لمصالح ايرانية وبأنها تعرقل مسيرة لبنان نحو التطبيع أسوة بأشقاءه العرب
وبأنهم يؤمنون بثقافة الحياة وبالتعايش مع اسرائيل بسلام بعد ان اصبحت
جارة بالأمر الواقع وهذا الأمر صحيح فهذا الفريق يثبت كل يوم من خلال اداءه السياسي والأعلامي بأنه يحارب المقاومة نيابة عن اسرائيل ويتمنى الغلبة لها ولم يعتبرها يوما عدو بل يناصب العداء لأعدائها بدليل انه ذرف الدموع على اتفاق الترسيم أكثر من الصهاينة أنفسهم وكرس فعليا مقولة بايدن ليس من الضروري ان تكون يهوديا لكي تكون صهيوني ،أذن فلماذا كل هذا العويل بوجه المقاومة والرئيس عون اذا كان ما تقولونه صحيحا
الا يكون هذا الأتفاق قد حقق رغباتكم المعلنة لجهة اعلان هدنة ولو مستترة بيننا وبين اسرائيل ويرسي السلام على الحدود ويبعد شبح الحرب ،الا يعتبر هذا الأتفاق الذي سيوقع بأسم الدولة اللبنانية هو تكريس لمطلبكم بأن يكون قرار السلم والحرب بيدها ،ألم يؤدي الى فك العزلة والحصار عن لبنان الذي اتهمتم الرئيس عون بالتسبب به وبحيث أسبغ علينا الرضا الأميركي من خلال اتصال بايدن ووعود شيا بقرب الأنفراج بقطاعي المصارف والكهرباء
عدا عن العوائد المالية الضخمة التي ستدخل الى الخزينة وتحررنا من سياسة التسول والخضوع للأشقاء العرب وتضع لبنان في مصاف الدول الغنية المستغنية مما يكرس فعلا لا قولا سيادتها واستقلالها ،الا تقولوا ان لبنان خاضع للأحتلال الأيراني وبذات الوقت تقولوا بأن ما حصل هو صفقة اميركية ايرانية مما يعني ان التدخل الأيراني عاد بالنفع على لبنان ولو كانت المقاومة تمسكت بالخط 29 وادى هذا الأمر الى مواجهة عسكرية ألم تكونوا ستحملوها نتائج هذه الحرب وتضعوها في خانة المصالح الأيرانية والتي اضرت بلبنان وبأقتصاده المنهار ولو ان الكلفة الأعلى ستدفعها المقاومة وبيئتها قتلى وجرحى ومشردين في الوقت الذي ستكونوا فيه متفرجين
أذن وبالمحصلة فأن هذا الأتفاق يكون قد بدد كل هواجسكم وحقق كل مطالبكم فلماذا أذن هذا التشكيك بدلا من التصفيق لأداء المقاومة الذي حقق للبنان كل مطالبه دون ان تطلق رصاصة واحدة او تسقط نقطة دم واحدة
ولكن الأمر ليس كذلك بل انتم تفضلون ان يبقى لبنان منهارا وشعبه خائفا يترقب ويعيش تحت رحمة فراعين اميركا والسعودية على ان يحقق هذا الأنتصار من رحم تفاهم 6 شباط 2006 وانعكاس هذا الأمر على شعبية هذان الفريقان وتأثيره على المسار السياسي في الأستحقاقات الدستورية
رغم أن الأسدين السيد نصرالله والعماد عون لا ينسون حصة الضباع من الفريسة التي اصطادوها ولكنكم غير قادرين على اخفاء مشاعركم الحزينة من ان الفريسة الأسرائيلية كانت من بني قومكم لا تحبون ان تأكلوا لحم أخيكم ميتا فكرهتموه كما كرهتم السيادة والعزة والكرامة خاصة تلك التي تأت على يد السيد والعماد فبددت كل مشروعكم الذي عملتم عليه على مدى ست سنوات فحولتم لبنان الى ابراج نيويورك لتبرروا غزو خصومكم السياسيين ولكن في اللحظات الأخيرة اصبحتم في موقع الأفغانيين تبحثون عن دواليب الطائرة الأميركية التي حطت في مطار بعبدا طالبة الأذن بالهبوط الأضطراري وستتابع رحلتها نحو مدرج الرابية بعد ان تتخلص منكم بأعتباركم حمولة زائدة ترهق المحرك .
هذا ليس تطبيع بل تطويع للعدو بالأرادة السياسية والعسكرية القوية التي واجهنا بها عدو لبنان وهو ترسيم لخطوط النار كما وصفها العدو بنفسه
بينما انتم مشكلتكم ليست مع الترسيم ولا التطبيع بل مع التفاهم المتين الذي أثبت بأنه الدستور الأمثل لقيامة لبنان وعنوان لسيادته وأستقلاله .

المستشار قاسم حدرج

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى