مقالات

الفقه الصادق

فقه الإمام الصادق

 إمام من أئمة المسلمين وعالم جليل وعابد فاضل، وله مكانة جليلة عظيمة لدى جميع المسلمين، إنه شيخ بني هاشم أبي عبد الله جعفر الصادق عليه السلام، من السلالة النبوية المباركة؛ وباب العلم، فهو إحدى ركائز الاندفاعة العلمية الكبرى في تاريخ المسلمين.

الشخصية حتماً مشهورة بكل تأكيد، لسنا بصدد إضافة شيء أكثر مما تتمتع به وفق المصادر الموثوقة التي تحدثت عن حقبة الإمام، لكن الجديد أن طرح الشخصية سيكون بطريقة غير تقليدية وغير مألوفة في تفاصيل أخذت جهداً مضنياً من البحث المطول لنخرج سلسلة ليست كغيرها، سيتم طرحها بشكل موضوعي من حيث تبيان الجوانب التي تم تعتيمها ما بين الغلو والغلاة، وما بين الإفراط والتفريط، وموضوعية ما قاله العلماء المسلمين “الثقات” عن هذه الشخصية.

سنطرح جوانب قد تكون ظاهرة للعيان، لكن موضوعية الإبحار فيها هي الإنجاز من خلال تقديم أسلوب جديد ورؤية جديدة لشخصية مهمة ومحورية من علماء المسلمين الكبار، من خلال التحقق من كل النقول وتثبيتها التاريخي والروائي الموثوق، من خلال الإسناد الصحيح والرواة الثقات والإثباتات التي تعود للإمام الصادق عليه السلام.

الإمام جعفر الصادق عليه السلام، رمز من رموز التربية والتعبد، كان يتنفس هواء زمانه ويعكس شخصية مكانه (المدينة النبوية)، وإذا كان له من خصوصية أو انفراد فهو تفرد الممثل لعصره المنتمي إليه والمؤثر فيه، فكان عابداً وعكف على العبادة والعلم مبتعداً عن الأمور اأخرى، حتى سُمّي “السجّاد” لكثرة سجوده.

نشأ الإمام جعفر الصادق عليه السلام، في بيت علمٍ وحكمة، فأبوه هو محمد “الباقر” بن علي زين العابدين بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب عليهم السلام، في مسيرة جعفر الصادق عليه السلام كان رجل علم وتزكية وإصلاح، وهو ما ساهم في جعله مرجعية علمية كبيرة في عصره، كما يفسر محاربته للغلوّ والغلاة الذين اتهمهم بوضع الحديث عليه وعلى علماء وأئمة آل البيت عموماً؛ فكان يقول مخاطباً تلامذته ومرتادي مجالس علمه: “لا تقبلوا علينا حديثاً إلا ما وافقَ الكتاب والسنّة”.

كان جعفر الصادق إماماً من أئمة المسلمين شهد بفضله جميعهم، والذي يُدقق في مروياته (أي فيمن روى عنهم ومَن رَوَوْا عنه) سيجد أنه رأى بعض الصحابة وتتلمذ على التابعين، وأخذ عن أئمة المدينة النبوية، والتقى علماء الإسلام في حَلّه وترحاله. ففي ‘السِّيَر‘؛ يقول الذهبيّ إن الصادق “رأى بعض الصحابة، أحسبه رأى: أنس بن مالك (ت 93هـ) وسهل بن سعد (ت 91هـ). وحدث عن: أبيه أبي جعفر الباقر، وعبيد الله بن أبي رافع، وعروة بن الزبير (ت 94هـ)، وعطاء بن أبي رباح (ت 114هـ) وروايته عنه في ‘[صحيح] مسلم (ت 261هـ)‘، وجده القاسم بن محمد، ونافع العمري (ت 117هـ)، ومحمد بن المنكدر (ت 130هـ)، والزهري (ت 124هـ)، ومسلم بن أبي مريم، وغيرهم. وليس هو بالمكثر إلا عن أبيه، وكان من جِلَّة علماء المدينة.

الفقيه الإمام الصادق عليه السلام، نقل آراءَه الفقهية الأئمة أبو حنيفة ومالك والشافعيّ وغيرهم من كبار الأئمة، مما يدلّ على أنّ رواياته ومقولاته ساهمت في تشكيل الشخصية العلمية لمؤسسي المذاهب الفقهية الكبرى، شأنه في ذلك شأن غيره من كبار أئمة الإسلام، وكانت الحكمة تتناثر من لسان الإمام جعفر الصادق عليه السلام ثمرة يانعة لزهده وعلمه وورعه، فكانت حِكَمه ووصاياه البليغة تنبت في القلب وتلتصق بالوجدان قبل بُدوّها على الجوارح. ومن وصاياه التي وصّى بها ابنَه موسى الكاظم عليه السلام تلك الوصيةُ الجامعة التي وثقها الإمام الذهبي في ‘السِّيَر‘؛ وهي قوله: “يا بني! من قنع بما قُسم له استغنى، ومن مدّ عينيه إلى ما في يد غيره مات فقيرا، ومن لم يَرض بما قُسم له اتّهم الله في قضائه، ومن استصغر زلة غيره استعظم زلة نفسه، ومن كشف حجاب غيره انكشفت عورته، ومن سلّ سيف البغي قـُتل به، ومن احتفر بئرا لأخيه أوقعه الله فيها، ومن داخل السفهاء حُقر، ومن خالط العلماء وُقِّر، ومن دخل مداخل السوء اتُّهِم”.

في تعريفٍ بسيطٍ جداً، عرجت على مقتطفات عما قيل بهذا الإمام الجليل عليه السلام، لنستفيض بالحديث عنه وعن مآثره في سلسلة مقالات نبدأها قريباً، فخراً برموزنا الإسلامية وبعطاءاتهم اللا محدودة، والله ولي التوفيق.. انتظرونا في سلسلة جديدة ستكون بمثابة بحث متكامل يكون مرجعاً لكل طالب علم وراغب في الإبحار ببحوث عراقة الإسلام وعلمائه.

كاتب ومفكر –الكويت.

✍?،،، عبد العزيز بدر القطان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى