
أولاً وقبل كل شيء، دعونا نحتفل!
نعم، علينا أن نحتفل..
فلنحتفل للمرة المئة، أو الألف، أو ربما مليون وواحدة، أو بعدد الذرات السخيفة التي تفصلنا عن العدو اللعين الذي يستبيح سماءنا، وسيادة الوطن… فلنحتفل بسقوط القرار 1701 مرة أخرى!
هذا الشيء الرقيق الذي يُقدم لنا، نحن شعب لبنان على أنه “الإطار الوحيد الممكن”. يا للغرابة! “الوحيد الممكن” ولكنه يسقط.
ثم يسقط.
ويسقط.
سقوطاً متكرراً، سقوطاً احتفالياً، سقوطاً يؤكد يقيننا الوحيد…
يسقط القرار 1701 عندما تُحلّق طائرات العدو كل يوم فوق بيروت مثل ذبابة عملاقة.
يسقط عندما يعلو دخان الصواريخ في الجنوب… يسقط عندما يستغل العدو الاتفاق لإعادة ترتيب بنك أهدافه القذر.
اغتيال الأحد الماضي في الضاحية الجنوبية هو سقوط جديد لهذا “الإطار الوحيد الممكن”.
ثانياً لنحتفل،
لأن إسرائيل يا صديقي كما في كل مرة تُضيف المزيد من القذارة إلى ملفها في لاهاي: أمام هذه المحاكم الدولية البطيئة، في كل مرة تزيد القذارة…
هم يثرثرون عن التنصل من الإبادة الجماعية! بينما هم ما زالوا يصرون، بكل وقاحة، على خرق اتفاقيات وقف إطلاق النار وارتكاب المجازر. هذه الجرائم، صدقني، لا تتحول إلى غبار… لا.
إنها تتراكم و
تتراكم و
تزيد من حجم الحقيقة البشعة.
هذه الجرائم لا مرور للزمن عليها. إنها الحقيقة الحتمية لمسار حقوقي مؤكد: فلا افلات من العقاب.
كل اغتيال وكل مجزرة وكل بؤرة استيطانية هي اضافة جديدة لعار الكيان، تصبح فيها هذه الجرائم أوضح، وأكثر صياغة، وأكثر قابلية للمساءلة والمحاكمة و الملاحقة…
هذه الإجراءات في لاهاي ايضا لا تسقط بالتقادم… تنتظر فقط. تنتظر بفارغ الصبر. وفي يوم ما سينتهي عهد ترامب، عهد الحماية القذرة، وعندها سوف يُجرون جميعهم إلى الاقفاص. النهاية لن تكون نظيفة أبداً.
ثالثاً، لنحتفل بهذا اليوم مسبقاً! وهذا هو الأجمل على الإطلاق.
لانهم بلغوا الحضيض، الحضيض المطلق… إسرائيل بلغت اليوم حضيضاََ غير مسبوق في مكانتها الدولية.
يا لها من عظمة!
أوامر اعتقال جنائية لا تزال سارية المفعول بحق نتنياهو وغالانت وسموتريتش وبن غفير وكاتس وبقية المهرجين! كلهم ممنوعون من زيارة أي دولة تُسمي نفسها عضوا محترما في تلك المحكمة الجنائية الدولية البطيئة!
لقد أصبحوا منبوذين بقرار قضائي، وهذا رائع! صور جنودهم في غزة، صراخهم الهستيري في الكنيست، والشعوب التي تهدر في شوارع العالم رافعة شعارا” واحدا” أنتم دولة إبادة!
موجة من العار تغمرهم، يا إلهي، موجة من القذارة لن يستطيعوا تنظيفها… الإجراءات في محكمتي لاهاي تكبر وتتوسع كبقعة زيت، تُضاف إليها مئات الملفات التي تتحول إلى سلسلة لا نهائية من الأتهامات الثقيلة التي تطارد إسرائيل كظلها الأسود.
والآن دعونا نضحك قليلاً… المدعية العسكرية الإسرائيلية السابقة نفسها… الآن خلف القضبان! المسؤولة الوحيدة التي حاولت التحقيق في تجاوزات الجيش الإسرائيلي ضد الفلسطينيين تمَّت إقالتها ثم اعتقالها… هكذا ببساطة!
دولة بلا منظومة قضائية مستقلة، بلا رغبة في التحقيق، وبلا قدرة على تقديم أي مسؤول كبير للمساءلة.
إسرائيل الآن تتفوق على نفسها في صناعة الأدلة ضدها… هي الآن تساهم بنفسها وبكامل وعيها في تعميق مأزقها.
عندما يتم اعتقال المدعية العسكرية التي حاولت فتح تحقيق، لا تحتاج المحكمة الدولية إلى جهد، لا تحتاج إلى شيء … لأن اعتقال من يحاول فتح تحقيق يثبت أن هذه الدولة غير راغبة وغير قادرة على محاكمة قذارتها.
وعندما يواصل العدو المجازر والاغتيالات وخرق وقف إطلاق النار… لا تحتاج المحكمة الدولية أيضا إلى عبقرية لتفهم نية إسرائيل حول السلام.
والعالم؟…
ينظر إلى صورة اسرائيل كالتالي:
دولة تلاحقها اتهامات الإبادة الجماعية أمام محكمة العدل الدولية.
قيادتها السياسية بأكملها مطلوبة للعدالة الجنائية.
جهازها القضائي الداخلي يعتقل من يحاول تطبيق القانون.
جيشها ينفذ اغتيالات ومجازر خلال هدنة يعتبرها المجتمع الدولي خطوة نحو السلام.
كيف يمكن لهذا التناسق المذهل في الجريمة أن لا يُشكّل قضية دسمة أمام لاهاي؟ أمام المحاكم الدولية؟ إنها هدية نعم هدية
موسم الأعياد والحسومات.
لكن في النهاية، لا يوجد شيء اسمه نهاية في هذا الشرق… لا شيء ينتهي هنا. ابداََ.
هذا ليس مقالاََ عن جرائم الكيان التي لن تنتهي قريباً، هذا مقال عن ما هو أكثر قساوة من المجازر والابادة: عن ظلّها، وآثارها ومفاعيلها، والتي ستلاحق إسرائيل عقودا طويلة، توقظها في منتصف الليل، وتجلس بثقل على صدرها كلما حاولت الادعاء بأنها دولة تبحث عن السلام…
هذا المقال عن دين مفتوح، حساب طويل الأمد، دين لن تُسدده إسرائيل بسهولة، لأن التاريخ حاضر، ولأن الشعوب تحفظ أسماء مجازرها كما تحفظ أسماء أبنائها.
في هذا الشرق، لا نكتب عن النهاية.
نكتب عن الأستمرار، عن إسرائيل التي تمنح المحكمة كل أسبوع أدلة جديدة بالمجان، وعن الحفرة التي تحفرها لنفسها يوما بعد يوم. وعن عدو يركض في اتجاه واحد، بجهد عسكري هستيري نحو لاهاي …
هذه هي خلاصة Black Friday في منطقتنا.. مجازر مجانية، أغتيالات وعروض تصفية مفتوحة…
أكاديمية وباحثة – باريس
المقال يعبر عن رأي الكاتب وليس رأي الموقع، شكرا على المتابعة.







