اقلام حرةمقالات

فوز مرشح الثنائي الشيعي بالتزكية في بلاد جبيل وكسروان

بقلم: ناجي علي أمهز

حين تصبح الانتخابات صلاة في محراب الشراكة

في جبيل وكسروان، لا تُقاس الجغرافيا بالكيلومترات، بل بالتراكم الحضاري الذي جعل من هذه الأرض “قدس أقداس” العيش الواحد. هنا، حيث تلامس أقدام القرى زبد البحر وتتوسد رؤوس الجبال غيمات القداسة، لا نكتب عن انتخابات عابرة، بل عن “ميثاق” صامت يتجدد مع كل استحقاق وطني.

لقد علمتنا لغة الأرقام في هذه الدائرة أن الدقة ليست مجرد حسابات رياضية، بل هي قراءة في وجدان الناس. واليوم، ونحن على مشارف اختبار ديمقراطي جديد، يبرز سؤال يتجاوز صندوق الاقتراع: هل تتحول “التزكية” لمرشح الثنائي الشيعي في جبيل وكسروان إلى فعل إيمان سياسي يحمي التنوع من رياح الانقسام؟

إن المتأمل في عمق هذه المنطقة، يدرك أن هناك “قراراً كيانياً” لا يخطه الساسة فحسب، بل تحرسه الكنيسة وتغذيه النخب المارونية؛ قرارٌ بأن تظل جبيل وكسروان “المختبر الناجح” لوجه لبنان الحقيقي. هنا، لا مكان للتجاذبات التي تخدش الحياء الوطني، ولا مساحة لخطاب طائفي يستحضر الغرائز. الثروة الحقيقية ليست في عدد المقاعد، بل في تلك “النعمة الإنسانية” التي تجعل من التعددية هويةً لا عبئاً.

من هنا، يبرز الحرص المسيحي، والماروني تحديداً، على أن يظل التمثيل الشيعي في هذه الدائرة خارج حلبة “المصارعة” الانتخابية. ليس هذا من باب الضعف، بل هو “ترفع الأكثرية” التي تريد لقلب الكنيسة المارونية أن يتسع للجميع. إن الفكر والوجدان المسيحي الريادي، الذي يرفض منطق “العزل” أو الإقصاء، يدرك تماماً أن محاولة إسقاط مرشح يمثل ثقلاً شعبياً يتجاوز الـ 90% من بيئته، هي محاولة تصطدم بمنطق الاجتماع البشري قبل أن تصطدم بصناديق الاقتراع.

إن الطرح الذي يتبلور اليوم في الصالونات الفكرية وبين الحكماء، ليس مجرد تسوية سياسية، بل هو “رؤية”؛ فإعلان مرشح الثنائي فائزاً بالتزكية يحقق غايات وطنية كبرى:

أولاً: يكرس صورة جبيل وكسروان كنموذج إنساني عالمي، تفخر به الكنيسة في لبنان ويباهي به الفاتيكان كقدوة في احترام الخصوصية ورفض الهيمنة العددية. فهذا هو جوهر “صوت يسوع” الداعي للمحبة؛ ومن أحق بهذا الحب من شريك التاريخ والجغرافيا والوطنية والعيش الواحد؟

ثانياً: يحرر الساحة المسيحية-المسيحية لتخوض غمار التنافس في فضاء أوسع وأكثر شفافية، بحيث يكون الفوز المسيحي “صافياً” في دلالاته التمثيلية، بعيداً عن تحويل الصوت الشيعي إلى “مادة للمقايضة” أو “بيضة قبان” تثير الحساسيات. إنها رغبة الكتلة المسيحية في تجنيب المكون الشيعي شظايا التنافس الداخلي في ظل الظروف الراهنة التي تعصف بلبنان والمنطقة.

ثالثاً: رغم اعتزاز شيعة جبيل وكسروان بانتمائهم الصميم لهذه الأرض، إلا أن الحرص الذي تبديه الكنيسة والكتل المسيحية يهدف إلى تعميق شعور المواطنة الكاملة لديهم، ليكونوا بمنأى عن أي استقطاب حاد، مما يفتح الباب أمام الاندماج الاجتماعي الكامل بكافة أبعاده، ويجعل من خياراتهم في المقاعد الأخرى فعلاً وطنياً حراً بامتياز.

إنني لا أطرح “التزكية” كهروب من الديمقراطية، ولا أعلم إن كان الثنائي الشيعي قد يقبلها او يرفضها لحسابات تخصه، ولا يوجد لدي حتى تصور كيف ستكون مقاربته وتقيمه لما اكتبه، لكن بما ان الطرح يظهر هذا القدر من التعايش فانا أطرح “سلة أفكار” طرجت علي، تجسد أسمى تجليات “الديمقراطية التوافقية” التي نادى بها كبارنا وأسلافنا منذ أن افترشنا العمر سوياً. هي دعوة لنقاش هادئ، بعيداً عن الحسابات الضيقة، لنرى كيف يمكن لجبيل وكسروان أن تقدما، مرة أخرى، “الخميرة الصالحة” التي يحتاجها لبنان ليبقى.

إن التحدي اليوم ليس في مَن يربح مقعداً، بل في كيف نربح وطناً. وفي جبيل وكسروان، يبدو أن كنزنا الثمين وحصننا المنيع هو هذا “العيش الواحد” الذي نتمسك به؛ ليس كقدرٍ مفروض، بل كخيار إنساني وحضاري ووطني لا بديل عنه.

المقال يعبر عن رأي الكاتب وليس رأي الموقع، شكرا على المتابعة. 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى