مقالات

الحرية في انعتاق الروح و تفلتها 

كتب المدير العام لوزارة الاعلام الدكتور حسّان فلحه في جريدة النهار 

 الحرية في انعتاق الروح و تفلتها

عندما تلوذ بالوحدة عن الناس فأنت تتّحد مع ذاتك أكثر وتتفرغ للحديث مع نفسك لنفسك بعناية فائقة، عندها لا تكون معزولاً أو مستقلاً، أنت تفرد الوقت المفقود لعتاب ضمني داخلي مغلق على ذاتك الإنسانية حتى تبلغ مرتبة الزهد الأقصى في محاسبة نفسك، التي قد تكون غالباً ذات طبيعة انتقامية طوعية في عملية الصراع الداخلي وتتخذ مناحي متعددةً، ولا سيما في حال التشكل اللومي المتراكم، أو هي تُعدّ، بشكل من الأشكال، تقريعاً على تقصير مفترض، أو تلكؤ متعمّد اعتقدته عابراً في سياق يومياتك، هو لم يكن عابراً أو طارئاً أو أمراً مستدركاً تجاوزته وأنت فعلياً مازلت تعانيه، عندها ستغدو حَكَماً ومحكوماً، ومُتَهِماً ومتَّهَماً، وقاضياً ومداناً، وبريئاً ومذنباً، حتى تتيقن أنك تعيش صراعاً أبدياً سرمدياً في حياتك وأن هناك دائماً، قاتلاً وضحية .

 

النفس البشرية تنزع الى جلد الذات وإذلال النفس وقهرها وتنحو الى جمح مكنوناتها وفق ضوابط اجتماعية وسلوكية تكثر من القيود الجزرية وتقلل من انعتاق الروح وتفلتها، وتلجمها حتى تتحطم مع العمر الطموحات والمبادرات كلها، إلا إذا منّن الإنسان إياه بأنه ينفد من العناصر الدافعة للاستمرار فينقلب عندها الى متفلت من الالتزامات القسرية وتضحي الحرّية حرّةً لأنها خرجت عن عقال الصمت وانتقلت الى الكلام المكنون والمباح بأعلى الصوت. عندها تعلم جيداً أن عمرك الذي يلازمك قبل الحياة وربما بعد الممات قد تعب منك أو ملّ كاسمك الذي لم يفارقك ولن، وتختبئ خلفه ويحيا هو في طيّات طيّاتك .

 

يقهرك الوقت مثل غانية هرمت وهي تعتاش من كذب ابتساماتها الغارقة في تعبها الأبدي وتستجدي وجودها في صدق ملذات الآخرين الذين يكثرون عادة من التعفف والتأنف ومن القدرة على لصق الرجولة بذواتهم بأوصاف براقة أكثر من ذهب المذابح والمنابر التى تصدح بالغلوّ والأبهة أمام فقر الفقراء المتعبّدين، وأقواس النصر أمام ذل المهزومين في مدارج الحياة .

 

عندما تعيش حياتك تكابد ذاتك وتناور عليها وتكبت أحاسيسك وتكتم عليها كأنها غيض، و هي فيض .

 

الإنسان يحيا الآخرين في ذاته ويبعد ذاته عنه من أجلهم، يتوسّل رضاهم ويقف على خواطرهم المعتلة الصدق الموغلة في فن اللعب على الحقيقة.

 

الإنسان ما غرّه بنفسه وما غرّه بربّه إلا هذا المجتمع الغارق بالتراكمات الاجتماعية و”الدينية” والثقافية والتربوية التي تركن الى جهنمية العقل البشري في ذروة قسوته وتحطم نفسه البشرية التى تراود عن مكوّنات عواطفها وأحاسيسها وتحيله صورة عما يراه الآخرون ويريدون لا على حقيقة ما هو أو ما يريد. ليس الأمر بنزق يحياه المرء بل بتلبّس المشهد الرائي للآخرين

أي أن يكون ما أرادوه لا أن يكون ما هو .

 

هنا ينشب الصراع، هنا يشتعل الخلاف، هنا تغشى البصيرة هلامية النظر من خلال الآخر لا ممّا هي الحال، إذا الاختلاف بيّن بين الحال وبين المطلوب عندها تتسع دائرة النفس في الاختلاء بذاتك وتعلم متيقناً أنك تخسر نفسك ولن تربح الآخرين …

 

أجل، قد تكون خسرت الأشياء كلها. ولكن نعم، الدهر يومان، واحد عليك، وآخر لغيرك…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى