
الفرق بين قارة اطلانتيس والقضاء في لبنان هو ان الأولى نسمع ونقرأ عنها الا اننا لا نملك دليلا على وجودها فتبقى في خانة الأسطورة اما اسطورة القضاء اللبناني فنحن نسمع عن تاريخها المجيد من خلال قصص تروي حكايات قضاة كانوا ابطالا سطروا ملاحم في ساحة العدالة فان اثارها ما زالت قائمة حتى اليوم من أبنية يطلق عليها قصور عدل وقاعات محاكمة زينت جدرانها بشعارات العدل اساس الملك ورجال يرتدون الزي التقليدي للقاضي وأمامهم مطرقة ومجلس قضاء اعلى ومجلس تأديبي ولكن كل هذه المظاهر لا تقنعنا بتصديق اسطورة القضاء اللبناني لأننا لم نعثر على أثر حقيقي يدل على أن العدالة سكنت يوما ارض الفينيقيين وقد قيل في الأمثال ألبعرة تدل على البعير، والأثر يدل على المسير، وانا كمحام ارتاد المحاكم منذ ربع قرن لم أعثر على أثر يمنحني بصيص من أمل بأني سأعثر يوما على العدالة المفقودة وكلامي هنا لا علاقة له بقضاة كانوا بارين بقسمهم
يحملون العدالة عقيدة مغروسة في نفوسهم الطيبة أنما كلامي عن منظومة العدالة المفقودة فكم من القضاة فقدوا مناصبهم او تركوا اماكنهم لأنهم خالفوا تعليمات المنظومة القضائية المتحكم بها من المنظومة السياسية ومنطق العدالة يفرض علينا ان لا نحكم من خلال حالات فردية واستثنائية نادرة ابصرت فيها العدالة النور بل ان ننطلق من خلال القضايا الكبرى التي تمس أمن المجتمع بأسره وتصنف في خانة القضايا الوطنية التي من المفترض ان يشكل فيها القضاء سور الحماية الأول وأختراقه اذا كان هش يؤدي الى تداعيات خطيرة على الوطن وابناءه وسنكتفي هنا بنموذجين رئيسيين
انفجار المرفأ ومجزرة الطيونة ففي الأول تم استغلال العدالة كأسفنجة لأمتصاص الغضب الشعبي ثم لاحقا كساتر يحجب المسؤولين الحقيقيين عن هذه الجريمة من خلال التضحية بقراقير صغيرة فداءا للأكباش الكبيرة
وساهم في تعطيل دورة عجلة العدالة بأصطناع العراقيل القانونية من خلال موافقته على احالة هذه القضية على المجلس العدلي مع افتقادها للمسوغ القانوني حيث حددت المادة 356 أ.م.ج نوعية الجرائم التي تدخل في اختصاص هذا المجلس وألية احالتها حيث نصت عل انه تحال الدعاوى
الى المجلس العدلي بناءا على مرسوم يصدره مجلس الوزراء ولم يقل الحادثة مهما بلغت فداحتها وحسب علمنا فأن مدعي عام التمييز لم يحرك دعوى الحق العام في هذه القضية قبل اصدار المرسوم وعلى فرض ان هذا الأمر قد تم فأن التحقيق قد جزم بأن الحادث نتج عن انفجار لا تفجير وبأن ليس هناك من شبهة عمل ارهابي مقصود بدليل ان الأدعاء اقتصر على الأهمال الوظيفي القصدي مما يسقط حكما اختصاص القضاء العدلي في هذه القضية ووجوب احالتها الى القضاء العسكري صاحب الأختصاص بقضايا الأسلحة والذخائر وهذا يقتضي من الحكومة الغاء مرسوم الأحالة لفقدان مسوغه القانوني وبالتالي كان هذا الأمر سيشكل مخرجا لقضية السجال حول
مصداقية القاضي بيطار والأنقسام الدائر حوله حتى بين اهالي الضحايا
اما القضية الأكبر والأخطر فهي معالجة قضية الموقوفين (المعتقلين) دون مسوغ قانوني بعد ان استنفذوا فترة التوقيف الأحتياطي وبحجة كف يد المحقق العدلي والذي قد يطول فتطول معه فترة اعتقال هؤلاء في الوقت
الذي ينعم فيه المسؤولين المباشرين عن هذه الجريمة من قضاة وضباط
وسياسيين متورطين بالحرية بل ويقفون في طابور من يوجه اصابع الاتهام للأخرين فأين هي العدالة وبسبب هذا الاداء القضائي المشوب بالعيوب
اتجهت مجموعة للأعتراض بطريقة سلمية حضارية فكانت النتيجة ان ارتكبت بحقها جريمة موصوفة مكتملة الأركان واضحة العنوان وهو زعزعة السلم الأهلي وجر البلاد الى حرب اهلية طائفية وهي المواد التي ادعى فيها القضاء وكان من البديهي كونها جريمة متصلة أن تدخل حكما ضمن اختصاص القضاء العدلي الا انه كان للسياسة رأي اخر وأحالها الى القضاء العسكري الذي توج اداءه الهزيل باخلاء سبيل القتلة بعد اقل من سنة على ارتكابهم لجريمتهم مقرا بعجزه عن جر المخطط والمحرض والمنفذ لهذه الجريمة الوطنية الى المحاكمة بل انه لم يتحرك عندما وجه هذا المتهم
المجرم افظع النعوت بحق القاضي المسؤول عن هذا الملف طالبا اقالته ومحاكمته فأية عدالة ترتجى من هكذا قضاء يعجز حتى عن الدفاع عن هيبته
من هنا يمكننا القول بأن العدالة غب الطلب هي ليست عدالة وبان المجلس العدلي هو عبارة عن فزاعة يتم اللجؤ اليها عند اللزوم ووفقا للمصلحة السياسية والا فكيف نفسر أحالة ملف مثل ملف الزيادين الى المجلس بينما
لا تحال جريمة عبرا التي تتوافر فيها كل عناصر الجريمة الكبرى فتم حرمان اهالي شهداء الجيش من تمثيل ضحاياهم واصبحوا ضيوف على رصيف المحكمة العسكرية بينما يتم علف احمد ألأسير وجماعته في السجن
ويحتل انصاره القاعة في كل جلسة .
اكتب هذا الكلام وأنا اذرف الدموع كمحام على عدالة بحثت عنها على مدى ربع قرن ولكنني لم اعثر عليها كما لم يعثر المستكشفون على قارة اطلانتس
ولهذا فانا ادعو القضاة الى الأستمرار بأعتكافهم فهو افضل من استنكافهم عن احقاق الحق وترسيخ العدالة .







